بالوبال والهزيمة. لقد حاولت قبائل الزولو في جنوب إفريقيا والماو ماو في كينيا، في النصف الأول من القرن العشرين، مقاومة القوات البريطانية ببطولة مشهودة، إلا أن ابتكار الرشاشات الميدانية أظهر تهافت هذا المنطق. فالمعركة التي أراد عدوهم البريطاني فرضها عليهم كانت مضمونة النتائج، ولم تكن لصالحهم.
إن رفض المعركة قبل استكمال شروط النجاح والنصر ليس ظاهرة جديدة في تاريخ الحروب. فقد رفضت القوات الرومانية المعركة التي حاول أن يفرضها عليها هنيبعل مرارا (1) . إن مسألة رفض المعركة قبل التأكد من استكمال شروط النصر فيها أصبحت موضوعة ثابتة في الفكر الاستراتيجي الدولي. فقد كسب المفكر الصيني العملاق سون تسو (Sun Tau، حوالي 500 عام قبل الميلاد) شهرته الكبرى، مصحوبة باحترام شديد، بسبب نظريته المبنية على تفضيل تفادي الصراع الميداني إذا نجحت الطرق الأخرى في تحقيق النصر (2) .
إلا أن ظاهرة العدو المتفوق ليست جديدة. الجديد هو أن كل الذين جربوا مواجهته دون حساب سياسي واستراتيجي قد خسروا، واختفي أكثرهم من الساحة نهائيا كما حصل للهنود الحمر ولعدد من الشعوب التي كانت تقطن أقاليم جنوب أميركا
لا يمكن، بالطبع، الاكتفاء بتفادي المعركة والاختباء من العدو. وقد أثبتت القبائل التي تسكن أدغال أميركا الجنوبية أن لا شيء يمكن أن يحميها من الامتداد الاستعماري وهجماته. فالإمبراطورية سوف تدخل كل الغابات وكل المساحات، وسوف تحاول الاستفادة من كل الفرص التي تتيحها لها «اكتشافاتها» . وسوف تظن أن القبيلة تقف في طريقها، فترتئي أنه من الأفضل التخلص منها حتى لا تنافسها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معركة زاما على هذا الرابط
(2) اقرأ هذا البحث الاستثنائي: , Colonel Gregory L