الصفحة 350 من 352

على أشكالها وتنوعها. إلا أنه ليس ثمة ما يستوجب وصفها. المهم أن تصل الرسالة وأن تعي ونتعرف إلى خطوطها العريضة، فهي التي تسمح للإمبراطورية أن تمارس نشاطها العالمي، وأن تبرر امتداداتها الدولية. فهي سبب هذا الوجود الدولي، وهي في الوقت ذاته مبرره.

إلا أن هناك منظارة آخر المطالعة مكونات الإمبراطورية، وهو تشابك شبكاتها الاقتصادية، مما يعقد الصورة العامة بعض الشيء. فالتشابك هذا يشبه مرور التيار الكهربائي في أعصاب جسم الإنسان، حاملا معه رسالة «اليد التي استشعرت الحرارة الزائدة» إلى الدماغ، فيقوم هذا الأخير بتسجيل الحدث ويأمر الجسم بالقيام بعملية معينة، بنتيجة ما حصل. فالمصارف تجمع المعلومات وترسلها عبر أسلاك النحاس أو الألياف البصرية على شكل رموز، فتوصلها إلى مراكز حسابية تعنى بدورها بإعادة توزيعها.

كما أن للشبكات جسورة تربط فيما بينها، فشبكات الإنترنت والمواصلات الأخرى تربط السفن التي تمخر البحار بالعالم، بالمدن والقرى، وترتبط أيضا بشبكات الصيانة وشبكات توزيع قطع الغيار التي تدخل في محركات الناقلات البحرية ورافعاتها وبراداتها ومستودعاتها وهياكلها، أكانت عملاقة أم صغيرة أم بقياس اليخوت.

إن امتدادات الإمبراطورية، إذا، أطول من طول أنابيب النفط والغاز والألياف البصرية وأسلاك النحاس والأقمار الصناعية بموجاتها اللاسلكية. ففيها نقاط ابتداء، ثم نقاط تكثيف فتوزيع فإعادة توزيع، تشارك كلها في نجاح الإمبراطورية.

إنها نقاط القوة التي تعتمد عليها الإمبراطورية لتعزيز قوتها، وهي، بحكم الضرورة، نقاط ضعفها أيضا. ففي هذا الجسم العملاق عضلات وسواعد تحبط بالعالم كله وتخيفه، إلا أن أعصابه مكشوفة، وشرايينه مشرعة، وطول امتداداته تجعله معرضا لوخز الإبر أو لضربات السهام أو طعنات السيوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت