دماغ الإمبراطورية
عندما يصل بنا المطاف إلى تناول موضوع «دماغ الإمبراطورية» فإننا ندخل بابا جديدة، مثيرة، واسع المضمون، يحيط به الكثير من الغموض. وبسبب اتساعه وكثرة روافده فإن ضيق المجال يجبرنا على الإيجاز فلا نذكر منه إلا خطوطه العريضة. إلا أن أهمية الموضوع تجبرنا، من ناحية أخرى، على ذكر ما يكفي من التفاصيل، حتى لا تمنعنا المبالغة في الإيجاز من استكمال عرض الصورة. ولهذا «الدماغ» عمق تاريخي كلما غصنا فيه ازدادت وتشعبت روافده واختلطت فيما بينها، وأصبحت معلوماتها أكثر عرضة للتشكيك. لذلك، وبدل الابتداء بتاريخ تكوين المجموعات السياسية التي يتألف منها دماغ الإمبراطورية، رأينا الاستعاضة عنه بذكر آخر حلقة أو اثنتين من حقبات تكوينه، حيث تجتمع بين أيدي المؤرخ كل المعلومات والقرائن والبراهين التي تثبت المطالعة التي يتم استعراضها.
ويبدأ بحثنا بذكر شخصية أتينا على التعريف بها في فصول سابقة، وهي زبغنيو بريجينسكي، وزير الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي جيمي كارتر. ففي العام 1970 کتب مقالا مشهودة بأهميته في مجلة «السياسة الخارجية» (Foreign Affairs) المعروفه بأنها تعكس وجهة نظر المؤسسة السياسية الأميركية. تقول هذه المقالة التي بعنوان «ثلاثي الأضلاع» (trilateral) ، إن العالم الغربي بحاجة إلى إنشاء جسم سياسي جديد ينسق بين مصالح الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، وذلك بسبب
تلاقي هذه المصالح وتلاحمها» بين عدد من الدول المنتمية إلى المعسكر الغربي، وبسبب «وحدة الرؤية» التي يمكن تحقيقها بين هذه الأطراف.
لم يكن بريجينسکي معروفا قبل نشر هذه المقالة، فقد كان آنذاك أستاذا للشؤون الروسية في جامعة كولومبيا. إلا أنه تنبه بشكل سابق لأوانه إلى أهمية «التنسيق بين الدول في المناطق الثلاث في المواضيع المتأثرة بالتكنولوجيا، لاسيما المواصلات