نفوذها خارج حدودها سمحت، في الوقت نفسه، لمجموعات تأثير مختلفة، بالتمكن من مستوى النفوذ نفسه، مثل اللوبيات والمؤسسات المالية والصناعات الحربية وغيرها. فقد استطاعت السيطرة على أسواق لم تكن موجودة من قبل، وإلى جانب الصناعات الكلاسيكية التي تعود العالم عليها، كصناعات النفط والحديد والنسيج، فقد استطاعت شركات جديدة السيطرة على قطاع المواصلات والمعلومات وغيرها. ومن جملة خصوصيات هذه الشركات أنها فتحت أبواب دول كثيرة، وتغلغلت فيها، وسيطرت على معلوماتها ومواصلاتها، وأصبحت جزءا من وسائط السلطة التي تملكها الدولة، تحتاج إليها دولتها أكثر من حاجتها هي إلى الدولة. ومن نتائج هذا التمكن استلابها (مراكز التأثير هذه) قدرة القرار، أي السلطة، من الدولة، وذلك في ميدان اختصاصها؛ فأصبحت مشاركة في المحكم دون أن تتب أو تعين، لا يعارض تأثيرها
أحد.
إن الذي لم يلتفت إليه نظر المحللين هو مدى قوة هذا التأثير. فالقرارات التي تؤخذ في الكونغرس الأميركي والبرلمان الأوروبي يصوغها في أكثر الأحوال مرکز تأثير معين، مثل لوبي النفط أو لوبي المواصلات الهاتفية. وأصبحت القرارات التي يتخذها البرلمان، بمبادرته وصياغته واستقلاليته، حالات استثنائية، بدل أن تكون القاعدة التشريعية، مما يطرح السؤال عن مركز القرار الفعلي في هذه الدولة الكبرى، وربما أيضا عن جدوى الديمقراطية، إذا كانت قد فقدت أهم أدواتها، وهي قدرة التشريع المستقل. فالطبيعة السائلة للسلطة على الساحة الدولية وكونها في حالة تغير متسارع يستوجبان التعمق في فهمهما. هذا ما يحاول وصفه الفصل الثالث.
لم يعد تشبيه العالم بالقرية الصغيرة» مسألة تثير الدهشة. فالهواتف التي كانت تربط العالم منذ الخمسينيات قد تغيرت وأصبحت محمولة في الجيب، ولم يعد