الصفحة 298 من 352

ما فائدة هذا الاستعراض؟ بالتأكيد، إن هدفنا ليس التنظير الصرف. علينا أن نعترف أن العالم السياسي أصبح تحت حكم الفكر الجيوسياسي. وخلاصة هذا الفكر أن للدول مصالح على الساحة الدولية، وأن هذه المصالح تحتاج إلى الحماية، وأن هذه الحماية تحتاج إلى حضور ما، من صنف أو آخر، عسكري أو دبلوماسي، يسمح بالدفاع عن هذه المصلحة، وأنه لا يمكن انتظار هجوم الغريم حتى تأخذ الدولة إجراءاتها الدفاعية، أكانت دولة كبرى أم صغري، متقدمة أم نامية، وأن عليها، على العكس، أخذ كل الإجراءات الاحترازية بحيث لا يفاجئها غريمها بعملية أو تحرك أو هجوم، مما قد يؤدي إلى إحراجها وإرباكها، ولو على المستوى التكتيكي

أما الدول التي لا تستطيع أن تجاري الدول الكبرى في تحركاتها العسكرية على قياس الساحة الدولية فعليها أن تجد حلولا أخرى، ولديها بطبيعة الحال خيارات نظرية تستطيع أن تفاضل فيما بينها. فهناك الحل الأبسط، الذي يسمح لأي دولة بالالتجاء إلى الدولة الكبرى التي تناسبها واستجداء حمايتها، وهناك أيضا إمكانية تطوير قدرات دفاعية محلية شديدة الإزعاج، مثلما فعلت سويسرا في نظامها الدفاعي العسكري، إلا أن بالإمكان أيضا تطوير قدرات دفاعية وهجومية ذاتية بقياسات نسبية أكبر حجما وربما كانت مؤثرة على المستوى الإقليمي، مثلما فعلت إيران. عندئذ بإمكانها ابتزاز نقاط ضعف غرمائها إن واجهوها بمواقف عدائية. هذه الخيارات كلها، وعشرات أخرى غيرها، كما سنرى، ممكنة ومفيدة، لكنها مشروطة، والشرط هو أن تطور الدولة التي تواجه هذا الاختبار سياسة واضحة شديدة الدقة تتيح للغريم أن بحسب الثمن الذي سوف يتوجب دفعه مقابل خطواته العدائية، والفائدة التي سوف يجنيها مقابل إجراءاته الصديقة. ولذلك، فعلى تلك الدولة أن توضح مواقفها حتي يتمكن الغريم من أن يقيم خطوته التالية تجاه هذا البلد، وحدودها الواضحة، وأن يتمكن من تصنيفها، من العدائي إلى المقبول إلى المستحب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت