الصفحة 260 من 352

لا بد في هذا السياق من الإشارة إلى الخدمة العسكرية وتأثيرها. فقد كانت الثورة الفرنسية من أوائل من اعتمد الخدمة العسكرية الإجبارية للدفاع عن البلد ضد الهجوم الأوروبي الذي كان يستهدف وأد الثورة. وبقيت سياسة التجنيد الإجباري سارية المفعول في أكثر دول العالم حتى النصف الثاني من القرن العشرين (1) .

لقد لعبت الجندية دورا رئيسيا في تربية النشء لفترة طويلة في أوروبا والولايات المتحدة، وكانت «مؤسسة الجندية» مدرسة بحد ذاتها، تعلم المجندين الانضباط ومحبة الوطن ومبادئ أخرى اصطلح المفكرون آنذاك على صلاحيتها وضرورتها وقرروا إدراجها في برنامج الجندية التعليمي. لكن الأمور تغيرت في النصف الثاني من القرن العشرين، لاسيما من ناحية ازدياد عدد سكان دول العالم. هذا يعني ازدياد عدد المرشحين للتجنيد إلى مستويات لا تسمح بها الموازنة الوطنية. طبعا بدأت الحكومات باتخاذ إجراءات خجولة، مثل تسهيل أسباب التخلف عن التجنيد، ثم خفض مدة الخدمة العسكرية، ثم السماح «بالخدمة المدنية البديلة» (أي العمل في شركة) . لكن التحولات السكانية تعني أيضا التغير في سياسة التجنيد، وذلك «بشكل حتمي» ؛ فالموازنة لا تستطيع تحمل عدد من المجندين أكبر مما كان مبرمجة في موازنة الدولة بالأصل، مما استوجب اتخاذ قرار إلغاء التجنيد الإجباري بشكل كامل، التستبدل به جيشا من المتطوعين»، أي جيشا محترفا، تقوم الدولة بتحديد عدده وعدته ووظيفته وموازنته

إن لهذا التغير تداعيات كثيرة، بعضها واضح وبعضها يحتاج إلى الإضاءة فالمسألة ليست تفضيل طريقة تجنيد على طريقة أخرى. إن العنوان هو ضرورة التغيير، ومن يرفض التعامل مع التغير سوف تجبر على دفع الثمن.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مقال جيد وموجز عن الموضوع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت