الصفحة 256 من 352

موضوع آخر. فالدولة هنا عاجزة بشكل كامل عن متابعة هذا الصنف من التطور، وينحصر دورها، في أحسن الأحوال، في استلام «توصيات» التجمعات الاقتصادية في البلد، التي تقترح لائحة متطلبات الصناعة من الدولة. فالدولة هنا في موقع انتظار المؤسسة الصناعية، التي تحتفظ بالمبادرة وليس العكس. جل واجب الدولة أن تؤمن المؤسسة العلمية التي تسمح للشعب» بتحصيل ما تحتاج إليه الصناعة من متخرجين في العلوم المطلوبة. وهنا تختلف الدول في أساليب مواجهة هذه المسألة. ففي الولايات المتحدة تجد التعليم يشمل كلا من التعليم المجاني والمكلف، العام والخاص. إلا أن الدولة تبنت سياسة اقتناص الخبرات الدولية والشباب الذين نالوا العلم والشهادات في الخارج، عن طريق تسهيل نيلهم الجنسية الأميركية، الأمر الذي جعل من أميركا أكثر البلاد تحفيزا للهجرة «العلمية» . أما الدول الأوروبية فهي توفر التعليم المجاني للجميع، بما في ذلك الوافدين من الخارج. وتتيح لها هذه السياسة، من حيث المبدأ، أن تزاوج بين الخبرات العلمية التي تنتجها المؤسسات العلمية ومتطلبات سوق العمل.

إلا أن الجامعات لا تحل كل المشاكل. فكلما ظهر عجز في أحد المواضيع قام القطاع الخاص بسده. «فالمعاهد العليا» التجارية في فرنسا أنشئت بمبادرة من غرف التجارة والصناعة لا من قبل وزارة التربية. كذلك قام القطاع الخاص بتأسيس جامعات، علم اختصاصات شديدة التحديد، تحتاج إليها صناعة معينة جامعة ماكدونالد، الكليات المالية).

إن اقتصاد المعرفة، بتوعه وشموله في الدول الصناعية وبطبيعته المرتبطة بالأفراد والشركات، يزيد من ابتعاد الدولة عن القرار الاقتصادي في القطاع الأكثر نموا وتأثيرا في الدول الصناعية، ألا وهو قطاع المعرفة. وقد أدى ذلك إلى مزيد من عزل السلطة المركزية عن التحكم في القرار الاقتصادي. لقد انتهت إلى غير رجعة قدرة الدولة على التحكم في سرعة النمو وشکله. وانتهت إلى غير رجعة أيضا السلطة التي كانت تملكها الدولة الغربية، عندما كانت تحدد سرعة النمو الاقتصادي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت