القرارات التي اتخذتها الإدارة الأميركية كانت محصلة لمجموعة الأفكار والآراء والمشاعر والخبرات التي اجتمعت في حلقة صغيرة من الناس، شاءت الظروف أنها كانت في هذه الفترة بالذات، في الوقت المناسب والمكان المناسب، تتبوأ سدة الحكم في واشنطن. ولا بد من التذكير أنهم، في أكثريتهم، إما ينتمون إلى مجموعة المحافظين الجدد، وإما متعاطفون مع تيارهم الفكري بصورة عامة. وكلما اضطرت المجموعة إلى اتخاذ قرار، كان هذا التناسق الفكري بينهم عنصرا مساعدة لاتخاذه ثم لدعمه عند التنفيذ. يجب ألا ننسى أن كثيرا من المحافظين الجدد كانوا سابقا تروتسكيين في عقيدتهم السياسية.
كان ميلتون فريدمان، المنظر الاقتصادي لهذا التيار، يقول (1) : «إن التغييرات الجذرية لا يمكن أن تحدث إلا إذا طرأت حالات استثنائية قهرية، مثل التسونامي أو انفجار البراكين» . ومن جملة معاني هذه المقولة أن كل مشكلة هي في الوقت نفسه فرصة، يمكن استغلالها للتقدم في المشروع الرئيسي، مهما يكن هذا المشروع. ومشروع هذه القيادة الأميركية هو توفير حرية الحركة المطلقة للولايات المتحدة الأميركية على الساحة الدولية. إنه تعبير شديد الوضوح ويعني أن لأميركا حق التحرك أينما تشاء، فتح لرؤوس أموالها الأبواب، ويدخل مواطنوها دول العالم بلا تأشيرات أو أذون، ويشتغل الأميركي أينما شاء بلا قيود. هذا هو المطلوب بالطبع. إلا أن هناك حدودة تفرضها سيادة الدول، وبعض هذه الحدود شكلي (مثلما يحدث في الدول التابعة لواشنطن في كل قراراتها) ، وبعضها الآخر يقاوم التدخل الأميركي، كل حسب طاقته، وحسب نظامه وفلسفته السياسية وظروفه. وهناك درجات تتراوح بين ما تستطيع أن تفعله الهند أو روسيا أو الصين، مقارنة باليونان أو الجزائر أو نيجيريا. واستراتيجية المحافظين الجدد هي فتح كل هذه الأبواب المغلقة أمام الولايات المتحدة ومواطنيها ومؤسساتها، وكلما واجهتهم مشكلة اعتبروها فرصة للتحرش والتدخل وانتزاع القرار الذي يناسبهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يمكن الاطلاع على المزيد من أقواله على هذا الرابط