والكتاب فيما بعد بشكل منهجي. فقد كان من أوائل من فكر في المجتمعات ما بعد الصناعية (Post Industrial Age واستنتج أنها تتحقق عندما تتدني نسبة السكان في القطاع الزراعي إلى ما دون 15 بالمئة. كما أنه حلل بمستوى عال من الوضوح الهوة التكنولوجية بين الدول والمجتمعات، وداخل المجتمع الأميركي. علينا أن نتذكر أنه كتب في هذا الموضوع برؤية واضحة حوالي عشر سنوات قبل أن تعمم الإنترنت في المجتمع كما حصل فيما بعد. وأخيرا، فإنه أحد أوائل من فکر بصدام الحضارات، الذي لا بد أن يحدث عندما تتلاقى الشعوب المختلفة، في أماكن عمل مشتركة وعلى نطاق واسع. واستطاع تصور هذا المشكل قبل أن تصبح الإنترنت حاضنة التلاقي الثقافات والحضارات وتنافرها وتلاقحها والتقائها واختلافها.
يأتي دور توفلر الفكري في الوقت الذي كان فيه المفكرون السياسيون الأميركيون يطورون تصوراتهم ويتحسسون طريقهم نحو العالم الخارجي، والأسلوب الأجدى للدفاع عن مصالح بلدهم، الولايات المتحدة. وفي هذا الخضم، والأرجح دون أن يدري، أكد دور أميركا المتفوق في العالم، إذ إن اقتصادها قد بدأ ينتقل من المرحلة الصناعية إلى اقتصاديات ما بعد الصناعة، أي اقتصاد المعرفة. وفي تشخيصه، كان بالتأكيد صائبة. وقد وجد فلاسفة التفوق الأميركيون في اقتصاد المعرفة خصوصية جديدة تدعم اتجاههم.
مدرسة شيكاغو والفكر الاقتصادي
لم تكن التيارات الفكرية الإنسانية والسياسية والعسكرية التي صاحبت الحرب الباردة ممكنة دون أن ترافقها وتواكبها أفكار أخرى توجه اقتصادها. كان العلم الفكري الاقتصادي الذي سيطر على النصف الأول من القرن العشرين هو جون ماينارد كينز (John Maynard Keynes) ،(1949
-1883). يتميز فکر کينز بدعوة