أن اكتساب الثقة مسألة عملية تماما كالدافع الأخلاقي، صحيح أن مسؤولية رجل الدولة الأولى هي أن يهتم بمصالح بلاده، ولكن من الحكمة، و النجاح على المدى الطويل أن يفهم أن تلك الاتفاقيات مرشحة للاستمرار إذا وجد فيها الطرف الأخر فائدة له، ففي السياسة الخارجية يقابل المرء الأشخاص أنفسهم مرارا وتكرارة، والمراوغة أو الاستخفاف بالخصم لا تجعل منه شربكا حقيقيا، وأية اتفاقية دولية ينبغي أن تقفذ من قبل دول مستقلة، وعلى قدم المساواة
كان مكاريوس يرفض مثل هذا التفكير. ربما كان يشعر، كرجل دين متميز، أن عليه أن يمارس المهارات التي منحها الله له إلى أقصى حد. والأرجح أنه كان يعتبر موقفه شديد التحسب للمخاطر بحيث يأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر مفاوضية، ومعظمهم من خصومه.
وجد المطران نفسه في موقف معقد بشكل غير عادي، فحرب الاستقلال القبرصية كانت تدار من قبل الجنرال جورج غريفاس من الأرض الأم - اليونان. كان غريفاس مدافعا منحمسا عن الاتحاد مع اليونان، أما مكاريوس فكان يفضل رئاسة دولة مستقلة بدلا من أن يقود محافظة بونانية، أما الزعماء السياسيون الديمقراطيون في الوطن الأم - اليونان، فرغم تظاهرهم بقبول الاستقلال لفظيا للقبارصة البونانيين الذين يشكلون غالبية سكان قبرص، فإنهم لم يكونوا متحمسين لمواجهة شخصية مكاريوس القوية من أجل قيادة اليونان كلها. ولكن عندما استلم الزمرة العسكرية السلطة عام 1967 بات مکارپوس بمثابة عقبة في أثينا أمام إنجاز المهمة القومية لليونان
كذلك كان مكاريوس لا يحظى بثقة تركيا بدرجة أكبر، فقد كان يعتبر المدافع العنيد عن وحدة الدولة القبرصية، ويعارض بشدة حقوق الأقلية التركية. كما لم يكن لدى بريطانيا، القوة الضامنة الثالثة أية ثقة بالمطران
ومن أجل أن يحمي مکاريوس نفسه من تدخل اليونان، والضغط من جانب ترکها، فقد كان يميل إلى اتباع نهج جمال عبد الناصر في مصر، ومعمر القذافي في ليبيا، بالتحالف مع العناصر الراديكالية الحركة عدم الانحياز. وبالإضافة إلى ذلك، وبخاصة بعد أن استولت الطغمة العسكرية على السلطة في أثينا عام 1967، بات ماکاريوس يعتمد بشكل متزايد على الشيوعيين الشبرميين لمساندته داخليا ضد من يحركون الأمور من الوطن الأم. وهذا ما دفعه إلى أن يسارع إلى عقد صفقة أسلحة مع التشيكيين التسليح وتدريب الحرس الجمهوري ضد أي انقلاب محتمل توحي به أثينا، وكان يزيد من هامش حربنه في نزاعات قبرص العرقية
كان موقفي من ماکارپوس بعكس المتناقضين. فكطالب في تاريخ الدبلوماسية، كنت مطلعا على التقليد البيزنطي الذي يمثله، والذي انتهجه سادة الدبلوماسية الغربية من أمثال ريشيليو أو ميتران كنت أحترم العذق و برودة الأعصاب اللذين كان يظهرهما ماكاريوس في الأعمال ذات الطابع الرفيع.