الصفحة 62 من 308

وغير من نظم الحكم ومن أساليب الحرب. كانت في إيطاليا قبل ذلك خمس ولايات رئيسية هي: دولة الكنيسة، ثم دول أربع هي نابولي وفينيسيا و ميلان وفلورنسا؛ وكان كل ما تعنى به هذه الدول الخمس هو إبقاء الحال على ما هي عليه، كانت كل واحدة تحاول منع الباقيات من أن تم حدودها أو أن تقوى إلى الحد الذي تهدد فيه الباقيات، لقد راقبت هذه الدول الخمس بعناية أتفه التحركات في لوحة السياسة التي هي أشبه بلوحة الشطرنج، وكانت تثير ضجة عالية لو غيرت أصغر القلاع حاكمها، فإذا قامت بينها حرب كانت القوى متساوية، وكان تنظيمها العسكري يسير في بطء، وكانت مدفعيتها قليلة؛ ولهذا كان الصيف يضيع في حصار قلعة واحدة، ثم تستمر الحرب طويلا وتنتهي المعارك عادة بخسائر تافهة أو بلا خسائر إطلاقا، ولكن عندما جاء الغزو الفرنسي انقلب كل شيء راشا على عقب، وكأن عاصفة جامحة مرت فجأة بالبلاد، فتمزقت كل الروابط التي كانت تربط بين الحكام في إيطاليا كلهم، وتبددت أمانيهم في رفاهيتهم جملة، كانت كل دولة تتلفت من حولها فترقب كيف تضيع المالك وتفض البلاد على أهليها؛ ولهذا فقد انتفضت الدول وباتت كل منها تفكر في أمنها وحدها، ونسي الجميع أن النار التي تلتهم منزل أي جار لهم يمكن أن تمتد لتحرق منازلهم، لقد باتت الحرب تسير بسرعة، وباتت الدولة تقهر وتهزم في سرعة أكبر مما كان الأمر يستلزم للاستيلاء على قرية صغيرة في الماضي، كان حصار المدن قصيرا وناجحا ويتم في أيام وساعات بدلا من شهور، وباتت المعارك دامية كثيرة الخسائر، ولم تعد مهارة السياسة في المفاوضات هي التي تصل إلى القرار الحاسم؛ بل باتت الحملات العسكرية وقبضات الجنود هي التي تقرر هذا وترسم مستقبل الدوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت