18 مايو 1917 - هبت ريح باردة مع الفجر، جعلتني أرتجف لأنني لم أكن أرتدي سوى قميص واحد. وبدأنا التحرك في العاشرة صباحا، وكان على سعيد أن يجلس فوق الأمتعة بإحدى سيارات النقل، فتكررت شكواه من حرارة الشمس والرياح، وشدة اهتزاز السيارة، حتي سرقت له مظلة هندي استخدمها طوال الرحلة راضيا قانعا، وعند وصولنا إلى القبة الصغيرة الزرقاء الضريح عون التي تحدد موقع توقفنا في منتصف الطريق، كنا قد قطعنا عشرة أميال فيما يقرب من الساعتين، وهو معدل بالغ الاحترام، وفي عون، صمم أحد أعيان العرب المحليين أن يدعونا لتناول الشاي والقهوة الثقيلة الجيدة في خيمته الدمشقية الصنع، بينما كان نحو الأربعين من رجاله يتابعون كل رشفة من القهوة نبتلعها، وبعد مرور نحو الساعة من مغادرتنا لعون بدأت بساتين النخيل في كربلاء تلوح للناظرين من بعيد، ووجدنا أعيان المدينة في انتظارنا خارجها المرافقتنا عند الدخول إليها، فقدمنا لهم واجب التحية، ثم انتقلنا إلى العربات وصهرات الخيول التي أعدوها لنا، دخلنا المدينة بصحبة نحو الأربعين من الفرسان العرب، والتحمت المجموعتان فيما بعد وسط سحابة من التراب الذي أثارته القافلة ليكسو بساتين النخيل والكروم، بينما اصطف الناس لاستقبالنا: النساء يزغردن والرجال يلوحون بسيوفهم ومظلاتهم، وبدا الاستقبال كاته احتفاء بأبطال الملك العائدين، ولكن من غير خوض معارك أو إثارة عداوات. وكانت سياراتنا أولى السيارات في التاريخ تدخل المدينة،
وبعد ذلك مضينا عبر بوابة خشبية في السور، وبعد بضع خطوات، أصبحنا وسط ما لم أره منذ أغسطس قبل ثلاث سنوات، خضرة فوق خضرة تحت خضرة. وهناك بستان فارسي للكروم البديع تخترقه ممرات ضيقة، فكنا نستنشق كل ما جادت به الخضرة في ظلال البساتين، وتبعنا شقيق مضيفنا محمد علي کمرنة خلال الممرات التي تقع بين الأشجار والنخيل والزهور والمشمش وغيرها، إلى إيوان خشبي كبير وسط حقل للخيار الأخضر لاستخدامنا الشخصي، إضافة إلى إيوان خشبي