صعبا. لقد مرت خمسة أسابيع دون أن أتلقى خطابات من أي نوع ما يصيب المرء بالإحباط ويجعله يتقاعس عن الكتابة.
10 مايو 1917 - نهبت مع جرترود بل قبل العاشرة صباحا في زيارة رسمية العبد الرحمن أفندي نقيب الاشراف، ورئيس طائفة السنة بولاية البصرة، وكان بيته
على النهر فدصوير، أما مسکنه داخل المدينة فله فناء تقليدي واسع لابأس به، والشريف متوسط القامة في السبعين من عمره، ملامحه مقبولة، وأنفه مقوس تماما كتف وجيه ترکي أو أرمني، يضع على رأسه طربوشا معا، ويرتدي عباءة من وير الجمل الأبيض، وينتعل مركوبا بنيا. والشريف معروف بعدائه الشديد للاتراك منذ ما قبل الحرب، وهو من أعز أصدقاني، قال لنا إنه برغم ندرة قيامه بزيارة أحد، حرص على زيارة الجنرال مود؛ لأنه يعتبره. وكيل الملك جورج،. وهو يتطلع إلى زيارة مكة والمدينة والقدس والأزهر عند نهاية الحرب. وعندما يتحدث النقيب إلى من يصغي السمع إليه بفيض ويزيد، وقد رد على بعض ملاحظاتي باسلوب عربي فصيح يكشف عن تملك لناصية اللغة باقتدار. ولما كانت جرترود بل قد حذرتني من عدم جلوي مساجلة الشريف، لم أعلق على حديثه بعد ذلك، وكذلك فعل. وقد أخذت بأصالته، خاصة عندما أبدى أسفه للدم الذي أريق من الجانبين بلا جلوي.
وعند العودة، استقبلت ممثلا للجريجوريين الأرمن المحليين (وهم أتباع الكنيسة الكاثوليكية الرومية، وفق ما ذكره كركس) . وكان هذا المندوب هو فارتابد بارين - نائب البطريرك - رجل دين قصير نحيل، تفوقه بطانته حجما، وهو لا يتحدث الفرنسية التي يجيدها بني جلدته في كل مكان، جاء هاربا من رأس العين (وهي مدينة جركسية) ، ووعدني بأن يكتب لي منكرة عن تجربته تلك، وكان يتحدث بصوت عال يصيب المستمع بالدوار، كم كنت أتمنى أن ألتمس منه الرحمة بخفض الصوت قليلا، وقد لاحظ أن العرب متسامحون نسبيا تجاه الأرمن، فلم تعان جالية بغداد شيئا يذكر، وهم يريدون إشاعة فكرة البؤس والاضطهاد في أوروبا لكسب معطف لجان لندن وباريس، ولكن كوكس اعترض على ذلك، وعمل بحكمته على عدم تشجيع ذلك الاتجاه؛ لأنه يظلمنا كما يظلم الذين فقدوا أرواحهم فعلا من الأرمن الذين يعانون العوز والحاجة.