إن العمل مع كوكس وجرترود بل (التي تضمنت رسالتها للماجستير عن القبائل العربية تفاصيل مدهشة) ممتع للغاية، فقد ذهبت مع جرترود بل منذ الصباح حتى ما بعد الثانية بعد الظهر بالسيارة إلى مسجد المرجانية، الذي يتميز بنقوشه بالخط الكوفي البديع، والمجرى المحفور في الحجر والطوب، وقد سرقت 60 قطعة من البلاط الخزف سوف نحاول استعادتها، وصعدنا إلى حجرة صغيرة ذات سقف منخفض، وتحدثنا إلى الشيخ الألوسي، العالم العربي الكبير الذي ينتمي إلى المدرسة القديمة، وقد جلس حوله تلاميذه وأصحابه متكئين إلى الخلف تماما، كما تبدو صور العلماء في الرسوم الفارسية. وقد قال لي كوكس إن الألوسي يتطلع إلى شغل وظيفة شيخ الإسلام التي أظنه جديرا بها، ويستطيع شغلها بكفاءة تامة، والمسجد شديد الاتساخ، ويحتاج إلى الإصلاح، والمياه ترشح أسفل بعض الجدران، وفعلت الرطوبة فعلها في القباب والعقود، والناس هنا ونوبون لا يطلبون بقشيشا أو إتاوة للمحافظة على الأحذية، والإمام يصيح بصورة هادئة حتى إنه يكاد يهمس لأحد الشيوخ راجيا إياه أن يسرع لأداء الصلاة بعيدا عن الضوء.
وبينما كنا نسير في الطريق مررنا بأحد المباني الرائعة الجذابة، خان قرطمة» الذي يعود أيضا إلى القرن الرابع عشر، وهو يشبه جسم سفينة مقلوب، بحوائط هائلة من الطوب البنى الضخم التي تلتقي معا تاركة بينها مساحة واسعة فريدة في نوعها، ولم أستمتع في حياتي برؤية بناء هذا الخان، وكم كنت أتمنى أن يراه جلبرت سکوت ليقتبس منه ما يفيد عند تصميم كاتدرائية القاهرة (5)
وحول تلك الساحة قامت الأسواق على شكل عقود ذات طول كبير، وفق التقليد الذي مازال معمولا به، وتتنوع العقود بإضافة سقف خشبي كما هو الحال في البصرة، والمحلات والشكل العام للسوق شبيه بما نجده في القاهرة، ولكن السلع أقل دقة في الصنع، وإن كانت الأسعار ليست كذلك. وقد طلب مني أحدهم بقشيشا مرة واحدة، ولكن الكلمة تجمدت على شفتيه عندما رأى ملامح الامتعاض على وجهي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(5) منحت الحكومة المصرية الكنيسة مساحة كبيرة من الأرض لهذا الغرض.