أدرك القليل منا - عندئذ - أن أولئك اللاجئين التعساء، الذين سببوا للبريطانيين المسئولين عن معسكراتهم متاعب لا حدود لها (3) ، يعدون بالنسبة للأرمن في مصر ولغيرهم أبطالا لإحدى مآسى الحرب الأربعون يوما لتيه موسي به (4) .
وفي الإسكندرية، كدت أفقد حياتي بما يمكن أن نطلق عليه «مخاطر الحرب المتوقعة .. فبينما كنت في طريق العودة من حفل موسيقي راكبا عربة حنطور يجرها حصان واحد، ظهرت في مواجهتنا سيارة أجرة مكشوفة تصل سرعتها إلى ما بين.4 و 50 ميلا في الساعة، حاولت أن تتخطى منافسها التقليدي القديم (الحنطور) . ولكن السائق أخطأ في تقدير المسافة، فصدم عربتنا عند العجلة الأمامية، وعندما رأيت السيارة متجهة نحونا لم أتوقع أن تتفادى الاصطدام بنا، بل كانت أضواء الفوانيس الأمامية للسيارة تبدو في عيني كضوء الشمس، وسمعت صوت الصدمة كما شعرت بها، وفجأة وجدت نفسي جالسا إلى جانب الطريق وسط نحو عشرين ألفا من علب الكبريت، وسائق السيارة أمامي يشرح أسباب الحادث ملتمسا لنفسه الأعذار ولم يبق من عربتي سوى الحصان والقائمين اللذين يربطانه بالعربة. وكان سائق السيارة يونانيا يبدو مضطربا مكفهر الوجه، ولكنه شعر بالارتياح عندما وجدني على قيد الحياة وهو يسمع لعناتي له ولأهله واليونان كلها، وقد فقدت السيارة عجلاتها الأربع والمحرك، وكان بالسيارة سيدتان شاميتان طلبنا من السائق أن يسرع بالتحرك بالسيارة، ولكني نبهتهما إلى أن محور عجلات السيارة منفصل عنها تماما. كان الوقت متأخرا، انقطع سير الترام، وكذلك العربات، وبينما كنت أفكر في المسافة التي على أن أقطعها في طريقي إلى الشقة (وكانت نحو ثلاثة أميال) بدت من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(3) لاحظت ذلك من جانب هؤلاء وغيرهم من أرمن مصر، وبعض اليهود في فلسطين، فوات القوم الذين يخطئ الغير في حقهم يتعاملون بعنف وجنون - لا يندمون عليهما - مع من يساعدونهم على تجاوز معاناتهم، وقد أصاب الهياج الجالية الأرمنية في قبرص، بسبب طرد أحد أعيانهم من النادي الذي لم يكن عضوا فيه فحسب، بل كان مؤسسه
(4) عجبت لأن بوابة فرفيل التي تحمل هذا العنوان. والتي ترجمت عن الألمانية ترجمة إنجليزية بديعة، لا تحظى باهتمام كبير في بريطانيا.