وقد أثارت بعض خصائص ومظاهر القاهرة مخيلتي عندما رأيتها لأول مرة. فقد بدا رئيس الوزراء بطرس باشا غالي وكان روح وزير فرعوني قد تقمصته، فقد كان - من حيث الشكل - بشبه التمثال الخشبي المعروف باسم «شيخ البلد، المودع بالمتحف المصرى ويعود إلى الأسرة الرابعة. وقد ولد بقرية كيمان بالصعيد، مسقط رأس أجداده، وكذلك. القديس أنطون به، وتعلم في المدرسة القبطية التي أقامها البطريرك كيرلس الرابع(تولى البطريركية في المدة من 4
185 -1891، وقيل إنه قتل بالسم المحاولته توحيد الكنيستين الأرثوذكسية اليونانية والكنيسة القبطية)، وأخذ برقي في مختلف المناصب عن جدارة واستحقاق، وكان شديد الاهتمام بالنهوض بطائفته، على عکس غيره من الأقباط الذين تولوا مناصب كبرى، وكان واحدا بين القلائل من معاصريه الأقباط الذين كانوا متبحرين في الثقافة العربية، فكان يعشق الشعر العربي، وكثيرا ما كان يردد بعض الأبيات أثناء ارتدائه ملابس السهرة، وبدأ تعلم الإنجليزية عندما كان في الأربعين من عمره وكان يتحدثها بطلاقة، وكان أسلوب كتابته للفرنسية واضا
وبديعا. وعندما سأله البابا ليو الثالث عشر في مقابلة تمت بينهما عما إذا كان يعرف القبطية، أبدى أسفه الشديد لجهله بها، وما كاد يعود إلى القاهرة حتى غرق في عدد من المراجع والقواميس القبطية، واستطاع أن يلم بلغته القديمة.
وكان بطرس يفخر دائما ببراعة الأقباط في الأمور المالية، وقد جات بعض ثرواتهم الكبرى من أصول غير عادية، بحکي أن «فلان أفندي مجهول، سافر من القاهرة إلى الصعيد قبل أيام القطار ذي الممر الطويل، ونزل إلى محطة قرب المنيا لبضع دقائق ثم عاد ليركب القطار، ولكن القطار تحرك تارگا إياه على المحطة، ورأه رجلان على تلك الحال فسألاه عن سبب مجيئة إلى هناك، فرد و فلان أفندي، الذي بخشي أن يجيب مباشرة على أي سؤال، إنه جاء بالصدفة دون أن يكون لديه ما يفعله، ولما كانت الحقيقة وحدها هي التي يمكن تقبلها في مصر، فقد ترك الرجلان وانصرفا، ثم عادا ليعرضا عليه مائة جنيه مقابل الانصراف من المكان، فتعجب و فلان أفندي، وقال: لماذا؟ ألم يقبل الأوروبيون أخذ تلك النقود؟!، وشكرهم فلان أفندى بوقار، ولكنه اعترض على المبلغ فزادوه إلى 500 جنيه، واحتج لأنه ليس
و [1]