الموظفين الإنجليز هو التحديق في وجوههم وهم جلوس خلف مکاتبهم من الثامنة صباحا إلى الواحدة بعد الظهر، ما عدا يوم الجمعة , أما غير الموظفين من المصريين فلا يرون حتى هذا القدر من أولئك الموظفين الإنجليز. وأصبح التزاور غير معروف، واختفت مئات الصلات الناجمة عن التعرف على الناس عن طريق التزايد المنزلي، من السؤال عن تسنين الطفل أحمد، إلى الاطمئنان على تقدم مصطفي في الإنجليزية أو كرة القدم. كما لم تبذل زوجات الموظفين الإنجليز جهدا في التعارف - فضلا عن عقد أواصر الصداقة - مع نوجات وبنات زملاء أو مروسي زوجها المصريين (ما عدا حالة واحدة أو حالتين استثناء) وقد تقوم الزوجة الإنجليزية بقدر من الترفع والاستعلاء بزيارة سيدة مصرية أو تركية تلبية لدعوتها، وهي تعتقد في قرارة نفسها أن صاحبة الدعوة أقل منها أصلا وتربية ومعرفة ومظهرا وملبسا.
وليس من العدل أن نرجع هذا الإهمال والإغفال التام إلى العزلة وعدم الاكتراث. فالحديث ليس سهلا دائما إذا جرى بين من ينتمون إلى أعراق وبلاد ولغات وديانات مختلفة، ويعود ذلك إلى غياب الأرضية المشتركة وبصفة خاصة قبل انتشار التعليم الأوروبي في مصر، فإذا وضعت - في القاهرة - كل معرفتك بالتنس والجولف وأداب السلوك الاجتماعي وأخر ما صدر من الروايات الإنجليزية في جانب، ثم وضعت في الجانب الآخر ما اتصل بالسياسة المصرية وهمومها، والأدب الفرنسى، وأحوال محصول القطن، والاهتمام الساعة من الزمن بالعائلة والأعراض التي تعاني منها، أصبح الحديث - أحيانا - بالغ الصعرية , كان هناك طبعا - ولا يزال - الجدل الدائر حول عزوف المصريين عن التزاود، ورغبتهم في أن نظل منغلقين على أنفسنا، وفي هذا تجن شديد وبخس لحق الشعب المصري الذي يعد من أكثر الشعوب وا وكرما.
وقد عرفت من يرون في المصريين غير ذلك، ثم يقومون بالتنظير حول ما يحبون وما يكرهون، ولم يتم اكتشاف السلبيات المترتبة على النفور من المصريين إلا بعد الحرب، عندما لم يعد بالإمكان علاج تلك السلبيات. أو إدراك دورها في الانفجار المفاجئ عام 1919. أضف إلى ذلك، يقظة أسيا على يد اليابان، وانفلات أعمال السخرة التي تمثلت في تجنيد فرق العمال خلال الحرب، ومتاعب بريطانيا خلال الحرب، وأخيرا - وليس أخرا - روح العصر، فكل هذه العوامل ساهمت بدرجات