ولكن عام 1904 كان بداية تدهور هذه الظاهرة، وجاء عام 1914 ليضع نهاية، فقد جاء تطبيق الوفاق الودى ليميط اللثام عن الحماية المقنعة، ويجعل مصر أشبه ما تكون بالمستعمرة التابعة للتاج البريطاني، وتحققت السيطرة الفعالة الخارجية البريطانية، ولم يعد انتقادها المتشنج لما يقوم به الاحتلال في مصر يضع في حسابه الدول المعارضة الحكومة صاحب الجلالة البريطانية، ومن الناحية الرسمية، كان التغيير للأحسن، ولكن إلى حين، فقد اختفت التصرفات الشاذة و الحمايات، وأصبع باستطاعة الحكومة المصرية أن تنفذ عددا من الإصلاحات الضرورية. ولم يعد المعتمد البريطاني مضطرا لمساومة زملائه القناصل حاملأ قبعنه في بده، مقدما بعض التنازلات لترضية أطماع منتهز الفرص
ولكن تدهور النفوذ الأوروبي في مصر، وما تبعه من تدهور المكانة الاجتماعية للأوروبيين، مع تزايد عدد صغار الموظفين الإنجليز، واتساع نطاق النادي الاجتماعي والنادي الرياضي، وتضاعف أعداد الفنادق، وتضخم أعداد السياح الذين يزودون مصر كلها في عشرة أيام، ويطالبون بعدم التمييز في مراقص الفنادق، كل ذلك أدى إلى الحد من الاختلاط والتفاهم بين المصريين والأجانب، وتدهور المستوى الاجتماعي الجاليات الأجنبية واهتزاز شخصيتها، فكلما سهلت الاتصالات فسدت العادات الطبية، وقد شعرت بالخجل يوما وأنا أسمع أحدهم يمتدح زانرا كبيرا: «ما كاد پراني حتي طلب بطاقتي، افقد اختفت التقاليد الاستعمارية القديمة، وأصبح كل إنسان وكل شيء أكثر نظافة، وثراء، وبساطة، واعتدالا. ولكن المتعة قلت - بطريقة ما - برأيت أعراض ذلك في أماكن أخرى؛ فقد ضاعتنا - نجاة - كمية الحصار على حساب المتعة
كان الموظف البريطاني في القاهرة والإسكندرية (حيث تركز التفتيش على المديريات في المدينتين) بعمل بجد وأمانة، يواظب على العمل بدقة في مصلحته أو يذارته من الصباح الباكر حتى ما بعد الظهر، وقد يقود سيارته أو يراجته في الطريق إلى بيته أو الترف كلوب لتناول الغداء، ثم يلعب التنس أو الجولف بنادي الجزيرة حتى الغروب، ثم يعود إلى الترف كلوب لمناقشة مختلف الأمور، وقد يتناول العشاء هناك أو في شقته، وكل ما كان يراه الموظفون المصريون - كبارا كانوا أو صغارا - من هؤلاء