وبعد مرور ستة شهود أصبحت دار المعتمد البريطاني وسيطا بين الطرفين المتصارعين بعد أن كانت هدفا لهجومهما المشترك ضدها.
وواجه جورست صعوبات في محاولته وضع أسس الإدارة الذاتية بإنشاء مجالس المديريات، فقد راح الكثير من المصريين والإنجليز الذين ينظرون إلى سياستنا بعقولهم لا بعواطفهم، يرون أنه من غير المعقول، بل من المستحيل أن نشكك في صلاحية منجزات کرومر، وتوصلوا إلى استنتاج مؤداه أن هذه السياسة السابقة الأوانها محكوم عليها بالفشل، فعدم كفاية السلطات الجديدة قد تبرهن لحكومة الأحرار وللشعب البريطاني والعالم أجمع على فشل تلك السياسة، وذلك عندما نواجه بصعوبة تطبيقها، وأن الحكومة البريطانية قد تتجه فورا إلى تشديد قبضتها على بلد يرتبط الوجود البريطاني فيه بسداد الديون والارتباطات الدولية الأخرى، ومن ثم رأوا أن تلك الإصلاحات لن تتقدم إلى الأمام قيد أنملة.
وحتى إذا نفذت تلك الإصلاحات، فقد كانت بالنسبة للكثير من الموظفين الإنجليز - غير مرضية وغير مريحة. ففي بداية الاحتلال البريطاني كانت نظرية الحكومة تقوم على استخدام، الروس البريطانية والأيدى المصرية، على نحو ما أوضحه ملشر في كتابه ENGLAND IN EGYPT: فهناك الوزير المصري ومستشاره البريطاني، ومدير المديرية ومهندس الأشغال والرى، ومفتشهم الإنجليزي، وأحيانا المفتش العام البريطاني، وقد طبقت هذه النظرية بشكل مريح طالما كان المستشارون والمفتشون محدودي العدد، نوى كفاءة عالية، ولكن بحلول عام 1910 زادت أعدادهم، فقد كان من عملوا في الثمانينيات والتسعينيات (من القرن التاسع عشر) مثالا للمستوى الفني والاجتماعي، يحسنون التصرف، ويقيمون علاقات شخصية متميزة، ولكن التطور - رغم منطقيته ومعقوليته - حمل معه بنور انهياره.
وكانت مساوي النظام الجديد في المديريات أبرز منها في القاهرة، كان المستشار المالي وغيره من المستشارين رجاء عصريين، بينما كان الوزراء يتقاضون مرتبات كبيرة دون أن يعملوا شيئا سوى بعض التوقيعات، ولا تكاد تقع على عاتقهم أية مسئوليات محددة، حتى جاء تعيين سعد زغلول باشا وزيرا للمعارف فكان كل شيء