الصفحة 100 من 246

الثلاثة ارباع الأولى من القرن السابع عشر؛ إذ وقعت هي الأخرى في شباك الصراع الداخلي بين الملك والبرلمان بدرجة حالت دون لعبها لدور رئيس في الشؤون الأوروبية. ويمكن النظر إلى صلح وستفاليا الذي أذن بنهاية حرب الثلاثين عام سنة 1948 على أنه حد فاصل شديد الأهمية في العملية الطويلة التي صار بها توازن القوى المبدأ الإرشادي المحوري للعلاقات الدولية الأوروبية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولكي يعمل توازن معقد للقوى بشكل فعال فإنه يحتاج إلى وجود نظام دولي فاعل يعد فيه الاستقلال السيادي للدول الهدف المركزي للسياسة الوطنية ويتميز باعتدال نسبي في أهداف السياسة الخارجية وبغياب لمشاعر المرارة والكره ذات الأساس العقائدي فيما بين الدول، ويمكن القول بإن صلح وستفاليا قد أضفى الصفة الرسمية على هذه الشروط في أوروبا وبهذا وفر الأساس لتقبل منطق توازن القوى كمحدد لسلوك السياسة الخارجية. كما أنه وضع حدا لحروب مسيحية دافعها هو الدين والتي دارت رحاها على مدار قرن کامل في أوروبا، وأقر رسميا بمفهوم السيادة الوطنية ودحض تطلعات البابا والإمبراطورية الرومانية المقدسة الهادفة إلى إعادة بناء إمبراطورية مسيحية واحدة

كانت فرنسا توشك أن تصل إلى منزلة القوة العظمي، على الرغم من موجة الاضطرابات الناجمة عن حروب الدين التي عصفت بها ولكنها تعافت منها لاحقا، کما تعرضت لحركات تمرد الفروند (rebellions of the Fronde) فيما بين عامي 1948 و 1952، وعلى الرغم من ذلك فقد شهد النصف الأول من القرن السابع عشر عددا من المساهمات الفرنسية في تطور نظرية توازن القوى؛ حيث عز الصراع الطويل بين فرنسا وأسرة الهابسبورج صورة التوازن ثنائي القطب التي تم تصوره في شكل ميزان له کفتان، وهو الأمر الذي جرت ملاحظته على سبيل المثال في وصف الدوق هنري دوق روهان الفرنسا واسبانيا ب"القطبين". وتكمن مشاركة روهان في تطور النظرية في تأكيده على فكرة المصلحة الوطنية؛ حيث قال بإنه مثلما حاولت اسبانيا فرض سيطرتها على اوروبا فإنه كان من الطبيعي أن تبرز قوة عظمى أخرى (في هذه الحالة فرنسا) لتعمل كقوة موازنة لها. ولكن ما أن يحدث هذا التأثير النظامي العام،"فإن الأمراة الآخرين ينضمون إلى هذا الطرف أو ذاك تبعا لما تقتضيه مصلحتهم" (975: 53 , Wright) , وقد مثل هذا إضافة إلى تفكير الكتاب الفرنسيين السابقين من أمثال فيليب دو کومين الذي لاحظ الميل إلى بروز ازواج متوازنة من القوى التي يعادي بعضها بعضا، مثل إنجلترا / فرنسا واسبانيا / البرتغال، وبافاريا / النمسا، ولكنه نظر إلي خصومتهما بشكل كامل من منظور القرب الجغرافي دون أن يظهر أي وعي بالمصالح الوطنية المختلفة في إطار نظام دولي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت