الصفحة 122 من 212

عنها سابقا، صار ينظر إليها كشيء يحمل الاهانة للأكثرية الجديدة، فاتخذت خطوات اغلاقها أو تحويلها إلى أماكن أخرى. وفي هذه، كما في غيرها من الحالات لقيت الأنشطة التي تستهدف الحد من اجتراء أهل الذمة تأييد ودعم الرواة المتدينين. ومما يدعو إلى العجب والاستغراب بصورة عامة أن هذا السلطان - بيازيد الثاني - هو نفسه من سمح في العام 1492 وما بعده، بل وشجع أعداد غفيرة من بهود اسبانيا والبرتغال على الاقامة في السلطنة العثمانية، وعلى بناء حياتهم بعد تهجيرهم من مواطنهم الأصلية

لكن هذه المفارقة ظاهرية، وليست حقيقية. فالشرع الإسلامي، في تطبيق الحكم فرض قيودا معينة على الجماعات غير المسلمة، وحدد أو أعاق مساهمات هذه الجماعات في أنشطة الحكم. ولم يأمر الشرع - والحقيقة أنه لم يأذن - بأن يضطهد غير المسلمين، بمعنى أن يمنعوا من ممارسة معتقداتهم، ولا من العيش وفق عاداتهم الخاصة بهم، ولا من السعي لتأمين احتياجاتهم المعاشية. وحقيقة الأمر أنه أثناء حكم بيازيد الصارم والمتزمت - ولكن العادل والورع - جرت کبري هجرات اليهود إلى الأراضي العثمانية

ومرة أخرى يمكن ملاحظة أن قسوة السلطان بيازيد الثاني كانت مشفوعة بفترة مشحونة بالتهديدات الجدية لعرشه من الداخل والخارج، فأخوه

جيم، وهو منافس فاشل، وكان يطالب بالعرش، فر إلى أوروبا، حيث كان البابا ومعه بعض الأمراء المسيحيين يحاولون استخدامه في هجوم مشترك على الأراضي العثمانية وعلى العرش العثماني. وكانت علاقات بيازيد مع کلا جاريه المسلمين علاقات سيئة. فهناك مشاحنات مع سلاطين المماليك الذين كانوا يحكمون مصر وسورية، وفي الشرق كانت هناك العائلة المالكة الشيعية التي استولت على الحكم حديثا في ايران، ولم تكن تهدد بيازيد بالحرب على حدوده فحسب، بل كانت تهدده بإثارة الفتن والاضطرابات فيما بين رعاياه المسلمين. وفي مواجهة هذا التهديد المزدوج، الصادرة عن الصليبيين المسيحيين في الغرب، وعن التخريب الشيعي من الشرق، كان بيازيد بحاجة إلى بركة التقوى من فوقه و من تحته سواء بسواء

وفي ظل حكم الذين خلفوا بيازيد الثاني تحسن وضع الجماعات التابعة للدولة، لكن فترة خطر جديدة ظهرت في خلال عهد السلطان مراد الثالث (1074 - 1090) . وللمرة الثانية جاء أسلوب التهديد مماثلا جدة: سلف ينظر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت