الصفحة 114 من 212

وحتى في الأزمنة الغابرة، وعندما كانت الأحكام مفهومة ومقبولة من كلا الطرفين، كانت هناك مشاكل تحدث بين وقت وأخر، مشاكل عرضية أدت أحيانا إلى العنف، أو إلى ما يمكن لأحد الطرفين أن يسميه اضطهادة، ويسميه الطرف الآخر تاديبة، وكان مثل هذا العنف نادرة، بيد أن الذي كان أكثر حدوثا هو تضييق أو تشديد الأحكام - التطبيق الأشد حزمة للقيود التي سبق أن سمح بتليينها، وحتي فرض قيود جديدة. وترتيب - وربما تفسير ومراجعة - ماكانت تعنيه حالات الكبح تلك، أو على الأقل التبريرات التي كان يقدمها الجانب المسلم لتلك الحالات، يمكن أن تلقي بعض الضوء على المشكلة الأكبر، مشكلة كيف كان يفهم التسامح ويمارس

وكانت المشكلة الأعم هي تلك التي تتمثل في الحاكم (الوالي) المتدين والمتشدد، الذي كان يصحح أخطاء سلفه من المتساهلين غير المتدينين، فيرغب في إعادة الناس إلى الطريق الاسلامي الأصيل. وكان النموذج الحق لمثل ذلك هو الخليفة الأموي عمر الثاني (اين عبد العزيز) الذي كانت سيرته الذاتية، كما رواها مؤرخون لاحقون، تحتوي على ما أصبح هو الأسس المثالية لبعث اسلامي، وفي فترات متكررة من التاريخ الاسلامي ظهرت حركات أو شخصيات حاكمة على رأس عهود من الاستقامة النضالية الصارمة. وفي مثل تلك الأوقات كان هناك تصميم على تطهير الاسلام من خلال الإصرار على الغاء البدع والزيادات التي شوهت الايمان وخلخلته عبر القرون، وعلى العودة إلى الحقيقة وهي الاسلام الأصيل الذي كان عليه محمد وأصحابه، لذا فإن التبعية المستحقة التي قدرت على الكافر والتطبيق الحازم للقيود المفروضة عليه تشكل جزمة صريحة من أي بعث ديني. وهذا لا يستوجب اضطهاد الكافر، بل على العكس، فإن المؤرخين ومؤلفي السير الذاتية للحكام المسلمين يؤكدون عادة على العدل واللين اللذين كان بعامل بهما أهل الذمة، لكن العدالة تستوجب أن يظلوا في المكان الذي عينه لهم الشرع، ولا يسمح لهم بأن يتخطوه.

وينسب إلى عمر الثاني (ابن عبد العزيز الفضل في تشديد تطبيق القيود المالية وغيرها على غير المسلمين، وفي اتخاذ خطوات ابعادهم عن مراكز القوة والنفوذ التي كان يسمح لهم بأن يشغلوها في ظل أسلافه، وليس من المستبعد أن يكون عمر الثاني هو الذي كان مسؤولا عن اضافة بعض القيود التي كانت تنسب عادة إلى عمر الأول(ابن الخطاب) . وقد ترافق تضييق حقوق أهل الذمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت