رسالة منسوبة إلى الفقيه العربي السوري الشهير «الإمام الأوزاعي، المتوفي عام 744 يمكن اعتبارها ذات دلالة على ذلك. إذ روي أن حاكم لبنان العربي أقدم على سحق تمرد قام به المسيحيون، فكان أن اتهم الأوزاعي ذلك الحاكم بأنه تصرف بعنصرية فظيعة، وقال: إن هذا الحاكم قد طرد الذمييين من جبل لبنان، وهم الذين لم يكن لهم أي دور في التمرد، وأضاف (ما معناه) :
تو با بهره
ولقد قتلت البعض، وأعدت أخرين إلى قراهم. فكيف استطعت أن تأخذ (تعاقب) الأكثرية بذنب الأقلية، نحرمت هؤلاء من بيوتهم وممتلكاتهم، بينما أمر الله تعالي بوجوب ألا يوضع عبء أحد على كتف أحد آخر،
مذكرة إياه بالآية 164 من سورة الأنعام (*) إن أفضل دليل تتخذه وتتبعه هو ما قاله النبي (ومعناه) : إذا ما أكره أحدكم معاهدأ وحمله ما لا طاقة له به فأنا نفسي
سأقاضيه يوم القيامة .... ويتضح في هذا السياق أن عبارة «معاهدة» تشمل «الذمي» . وفي الكتابات اللاحقة تقلصت الأهمية المعطاة للصفة التعاقدية الثنائية التي خصت بها عبارة «الذمة
التي صار ينظر إليها على أنها تنازل منحته الدولة الاسلامية إلى جماعة من أولئك الذين هم تحت سلطتها، وهذا ما يزال بصورة عامة جزمة من الشريعة المقدسة الاسلامية، والتي يجب على كل مسلم صالح أن يحترمها ويدافع عنها، أما وقد أنعمت الشريعة السماوية بوضع معين على أتباع هذه المذاهب، فقد غلوا أهلا لهذا الوضع تمشية مع القانون أو الشريعة الربانية
وإن يكن الشرع قد حرم عليهم الارتقاء فوقه، فقد حرم أيضا على المسلمين أن يجروهم إلى ما تحته. وكان هذا المبدأ يؤكد بصراحة من وقت الآخر. ففي أوائل القرن الحادي عشر نمي إلينا أن الخليفة الفاطمي «الزاهر،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) قل أغير الله أبغي ربأ وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزيوازرة عند أخرى ثم إلى ريكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تخلفون
الآية 14 من سورة الأنعام