على أن تضليل الجماهير لا يمثل أول أداة تتبناها النخب الحاكمة من أجل الحفاظ على السيطرة الاجتماعية. فالحكام لا يلجأون إلى التضليل الإعلامي-كما يوضح فرير- إلا عندما يبدأ الشعب في الظهور (ولو بصورة فجة) إرادة اجتماعية في مسار العملية التاريخية»، «أما قبل ذلك، فلا وجود للتضليل (بالمعنى الدقيق للكلمة) ، بل نجد بالأحرى قمعا شاملا. إذ لا ضرورة هناك لتضليل المضطهدين، عندما يكونون غارقين لآذانهم في بؤس الواقع» (2) .
والواقع أن القمع-أي كبت الفرد وإخضاعه كلية-لم يقتصر على أي كيان جغرافي أو سياسي منفرد، فأغلب البشر تعرضوا للقمع، على مر العصور وفي كل أرجاء العالم، من خلال وضع من الإفقار الكامل يطرح نفسه على أنه «طبيعة» (ويكون ذلك صحيحا في حالات قليلة) ، على أنه لا يعدو، في أغلب الحالات، أن يكون النتيجة المترتبة على التقسيم الاجتماعي غير المتكافئ، فحتى وقت قريب لم يكن هناك سوى قلة نادرة من البلدان التي شاء لها حظها السعيد أن تجمع بين الموقع الجغرافي وكفاية المصادر الأولية والأسبقية التاريخية المواتية، مما وفر لها وسيلة الإفلات من مخاطر الندرة والكوارث الاقتصادية المتكررة. ومع ذلك فقد ظل القمع، حتى في تلك المواقع المتميزة نسبيا، قدر أغلب الناس حتى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.
ولقد مثلت أمريكا الشمالية، منذ البداية، حالة شديدة الخصوصية. فهي القارة الغنية بالموارد، المتحررة من القيود الاجتماعية التي كبلت أوروبا وآسيا، والمنتزعة نهائيا ودون رجعة من سكانها الأصليين بالقوة المسلحة وبالخداع والحيلة، وقد تم تطويرها بمعدلات سريعة وفقا لمبدأ أخلاقي اقتصادي استغرقت بلورته وتطويره قرونا عديدة في أوروبا الغربية.
وإذا استثنينا السود والملونين الآخرين، الصفر والحمر والسمر-وهو استثناء يشمل الملايين فإن القمع لم يكن يمثل الأداة الرئيسة للسيطرة الاجتماعية في أمريكا، ولم تدع الحاجة لاستخدام القمع ووضعه موضع التنفيذ إلا في مناسبات متباعدة وقصيرة الأمد بوجه عام. فمنذ العصر الكولونيالي (أي فترة الاستيطان في القارة) ، ظل المهيمنون على النظام الاجتماعي يمارسون بفعالية تامة تضليل الأغلبية البيضاء (أي استمالتها