بدأ الثورة في اليمن مجموعة من الضباط الشباب، وبحكم عملهم لم يزوروا القاهرة ولا مرة، لكنهم لم يخفوا إعجابهم بالإجراءت التي اتخذها ناصر في بلده. مثل هذا الإدراك للواقع المصري كان أكثر من طبيعي على خلفية ركود القرون الوسطى الذي كان سائدا في اليمن. التركيبة القبلية وجبروت الشيوخ مع الاستبداد، وسلطة مطلقة للإمام الذي كان يعتبر في نفس الوقت الزعيم الديني لأقوى طائفة إسلامية في البلاد، الزيديين، هذا النظام استمر في اليمن تقريبا في شكلة البدائي الأولى. بالمناسبة العقيد السلال تزعم انتفاضة ضد الملكية، عندما كان رئيس حراسة البدر، وقبل هذا بخمس سنوات، وبأوامر من الإمام أحمد، سجن وهو مقيد بالسلاسل بالمعنى الحرفي في حفرة عميقة وكانوا يلقون إليه بالطعام من أعلى الحفرة
من كل ما ذكر لا يمكن اعتبار أن البمن كان معزوة أو منقطعا عن العالم كله فصدى الأحداث التي كانت تحدث في الدول الأخرى كان يصل إلى الحديدة وصنعاء وتعز، وهذا مهد بدرجة كبيرة لإعلان الجمهورية، كما لم تمر أصداء حركات التحرر الوطني دون تأثير على اليمن، بالإضافة إلى أن أعمال إنجلترا في السلطنات الواقعة في جنوب شبه الجزيرة العربية وفي عدن استدعت مئات الآلاف من اليمنيين التظاهر احتجاجا، هنا انسابت نهيرات ضعيفة أخذة بدايات من فيضان تطور التقنية والثقافة في العالم، لكن مع حلول القرن العشرين في اليمن، تشابكت في أحيان كثيرة كومة مدهشة من التناقضات
أهم ما يوضح هذه التناقضات الحياة الملكية اليمنية للإمام أحمد في قصر تعزه الذي قضى فيه أخر أيام حياته. سافرت إلى اليمن بتكليف من رئاسة تحرير البرافدا"بعد إسقاط الإمام بوقت قصير، وأتيحت لي الفرصة أن أكون في تلك الغرفة التي كان يحتفظ فيها الإمام بمقتنياته التي جمعها حوله كما هي ون يمسسها أحد، وعلى ما يبدو مما شاهدت أن الإمام أحمد كان يحب الساعات جدا، فقد امتلأت الحوائط بالساعات المعلقة، لكن يبدو أن دقات الساعات لم تحمل إليه مدى الزمن، تحت"