لعل ما يسنح استخلاص الاستنتاجات المشابهة حقيقة مفادها أن أيا من بين عدة مئات من وثائق الجيش الروماني المحفوظة على ورق «بابيريه في مصر لم يتناول الشؤون الاستخباراتية أو العملياتية - على أنه يجب عدم تجاهل واقع ندرة أو غياب الحملات في مصر بعد عهد الامبراطور أوغسطس، الذي تعود إليه أولى الوثائق الموجودة لدينا. بل إن ما تملكه هو سجلات الوحدات، من جميع الأنواع، المتعلقة بالحياة اليومية للحاميات: توزيع المهام في الوحدة، كاملة أو جزئية؛ القوائم الخاصة الواجب الحراسة أو التنظيف وما شابه؛ التقارير الصباحية («آکتا ديورتا) حول عدد الرجال بالوحدة، مع ذكر منفصل للضباط؛ تقارير القوة الشهرية والسنوية؛ والمراسلة المتعلقة بالرواتب والترقيات والانضباط والمؤن. ويبدو أنه طلب من الوحدات آن تحتفظ بمفکرات يومية منتظمة. كما وجدت قوائم الأماكن الجغرافية والجولات، والجداول والدلائل الموحدة الخاصة بأنواع شتى من الأمور، ولكن لم يصلنا منها سوى القوائم بالأعياد التي وجب التقيد بهاره (45) . ويتضح مما سبق أن جيشا تمتع بنظام متقدم لحفظ السجلات الداخلية كهذا ما كان سيلقى صعوبة على الإطلاق في استخدام الرسائل المكتوبة لتخطيط وتوجيه ومراقبة العمليات الميدانية, لكن لا يوجد أي أثر لمثل تلك الرسائل. ويتمثل الشيء الوحيد الذي تؤكد وجوده المصادر بالأوامر المغلقة المتعلقة بالهدف الجغرافي الذي أتيح لقيصر أن يصدرها ولكنه لم يفعل) إلى قادة الأساطيل قبل الانطلاق من صقلية نحو أفريقيا في 46 قبل الميلاد (46)
يبقي، بعد الاطلاع على كل ذلك، تنظيم وعمل مقر قيادة الجيش الروماني خلال الحملات شيئا مجهولا بالنسبة لنا. وقد عرف المؤرخون عشرات الضباط المختلفين، مما يشير إلى وجود تقسيم متطور ودقيق للوظائف، لكن لا يقع أي منها ضمن دائرتي الاستخبارات أو العمليات حسب التعريف الحديث (47) . ولا تفيدنا كثيرة المصادر الأدبية: فلا نكتسب لمحة عن الأركان خلال عملها إلا في أندر الحالات. وهكذا يلاحظ آبيانوس، الذي كتب في وقت باكر من القرن الثاني بعد الميلاد ليصف، انتصار سيبيو قبل 300 عام من ذلك، أن القائد المنتصر أحيط
بالشبان من أقربائه ... [و] من كان قد خدمه ككتبة ومرافقين وحملة الدروع (48) . أما أونا? ساندر، الذي كتب في عهد الامبراطور كلوديوس، فنصح الجنرال باختيار مستشاريه إما من بين الرجال الذين رافقوا الجيش تحديدا لذلك الغرض أو من بين