الصفحة 66 من 316

الخرائط الجيدة التي تقدم صورة ثنائية الأبعاد سليمة لمسرح الحرب، المكتملة بالطرق والمسافات (23) الغياب شبه الكامل لأجهزة التوقيت القابلة للنقل حتى نهاية القرن السابع عشر، مما اضطر القادة إلى الاعتماد على الوسائل الفلكية الصعبة الاستخدام بدلا من ذلك (24) - إن هذه العوامل، مجتمعة، أرغمت القادة على تحديد الاستراتيجية بتلك العمليات التي أمكنهم إبقاؤها تحت سيطرتهم المباشرة، أي تلك العمليات التي يسنح تنفيذها من قبل قوة منفردة تسير ككتلة واحدة تقريبا وتتمتع في أحسن الأحوال بحماية طليعة في الأمام وبعض المفارز في الجانبين الاثنين (25) . تألفت الاستراتيجية، إذن، من محاولات تحقيق المفاجأة ضد العدو عبر استخدام مقترب غير متوقع أو السير ليلا من المسيرات والمسيرات المعاكسة؛ من الاستيلاء على المواقع وقطع الاتصالات وتدمير الأجزاء المختارة من الريف، من أجل منع الإمداد عن العدو. أي يشمل ما سبق كل المناورات التي جعلت الحرب في القرن الثامن عشر عملية بطيئة صعية التوجيه كما كان الحال معها مرارة. ويضاف إلى ذلك، کيا بلاحظ کلاوزفيتر، أن الجيوش العاملة بهذه الطريقة لم تقدر على خوض القتال عادة إلا بنوع من الموافقة المتبادلة بين القائدين العامين المتعارضين (26) . فوجب طرح التحدي والمواجهة، إما رسمية من خلال مرسل، كما جرت العادة غالية في العصور الوسطى (27) ، أو بصورة غير رسمية عبر الاستعراض والتظاهر في مقابل معسكر العدو، كما كانت عادة يوليو قيصر والقادة اللاحقين حتى القرن الثامن عشر. إما أن تقوم مثل هذه الجيوش باستخدام الاستراتيجية من أجل محاصرة العدو أو الالتفات عليه ووضعه بموقف حرج قبل بدء المعركة - مما ألف جوهر المناورة على المؤخرة النابليونية - فكان شبه مستحيل، بل ويقال انه لم يجر بنجاح سوى مرة واحدة عبر ألفي سنة (28) . فكانت الاستراتيجية، وهي منتوج عوامل عديدة، غير عملية فقط بقدر اعتمادها على الاتصالات والتنسيق فيما بين القوات المنخرطة بالحرب المتحركة عبر مسافات بعيدة. لكن ليس ذلك بقليل.

توجد ثمة طريقة أخرى اختلفت بها الاستراتيجية بعد نابليون عنها قبله. فيمكن القول بالفعل إن الحروب لم تبدأ إلا حين تواجهت القوات الرئيسية للطرفين، التي وقعت عادة تحت الأمرة المباشرة لقائدها العام، وذلك لأن الجيوش طالما بقيت متقاربة، ولأن قوة ومدى الأسلحة كانا محذدين إلى درجة تقليص قدرة أية قوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت