فالعمل الذي نضعه اليوم بين أيدي القراء يمثل - في تقديرنا - محاولة متواضعة للإمساك،
بشكل منهجي ومنظم، بالقضايا والمشاكل والآفاق التي خص بها النفط كمادة حيوية ضرورية والتي يطرحها في كل حين، تلك القضايا والاهتمامات التي تشغل بال الساسة والعديد من الخبراء والاقتصاديين العرب وغير العرب في مرحلة حرجة ودقيقة من تاريخنا المعاصر.
كما تتجلى أهمية هذه الدراسة في تناول دور القوى الناشئة (أو الصاعدة) أمثال الصين، والهند، والبرازيل في منافسة القوى الكبرى المعروفة كالولايات المتحدة، وروسيا، وأوروبا، واليابان حول الصراع والمنافسة الشرسة على النفط، لاسيما نفط دول الخليج الذي يمثل ثلثي احتياطي العالم وكذا نفط إفريقيا، وآسيا الوسطى، وبحر قزوين، أي المحاور الأخرى لاهتمامات هذه القوي. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية السباقة في اكتشاف وصناعة النفط تعتقد أنه"من يملك النفط، يملك القوة"والقوة هي السبيل الوحيد للتربع على العرش العالمي وإكراه الشعوب والدول الأخرى على الخضوع والطاعة، حسب رأي مثل هذه الدول.
وإذا كان الصراع بين الأمم بأبعاده المختلفة هو صراع من أجل النمو والارتقاء، والتي تعتبر المواد الطاقوية من أهم عناصره، إن لم نقل العنصر الأساسي، فإن النفط بحكم توزيعه الجغرافي غير المتساوي في العالم، وما يمثله من أهمية للحياة البشرية في تقدمها وتطورها، يشكل اليوم أهم محاور هذا الصراع وتكمن أهمية هذا البحث كون الموضوع يكشف النقاب عن علاقة النفط بسياسة الدول الاستعمارية والإمبريالية تجاه الدول النامية الغنية بهذه الثروة لاسيما العربية والإسلامية منها، مستعملة كل أنواع النهب، والاستغلال، وبث النزاعات وإشعال فتيل الحروب من أجل الهيمنة والسيطرة على قدراتها وثرواتها.
كما تظهر هذه الدراسة من جهة أخرى مدى تأثير النفط العربي في العلاقات الدولية التي تحكمها أساسا المصالح الاقتصادية للشركات العظمي، کون النفط كان له الدور البارز في رسم معالم هذه العلاقات وتحديد أشكالها.