العالية. فكل دولة أوروبية أصبح لديها اليوم كلية القادة والأركان، وجهاز الاستخبارات، ومعاهد التعليم، وأسلوب إدارة المناورات الميدانية، وإدارة النيران الميدانية» (17) . ومن ثم، أصبح من المستبعد في أي حرب مستقبلية أن نرى ألمانيا لحق دمارة سريعة بالقوات المسلحة المعادية. بل على العكس من ذلك، لم تعد القضايا تجد طريقها إلى الحل إلا بعد صراع طويل ومنهك للطرفين المعنيين من النوع الذي حدده مولتکه في خطابه الأخير أمام الرايخستاج [المجلس التشريعي الأدنى] الألماني في عام 1890، بقوله:
أيها السادة، إذا اندلعت الحرب؛ تلك الحرب التي ظلت عشر سنوات حتى الآن مسلطة على رؤوسنا مثل سيف ديمو قليس، فلن يستطيع أحد أن يتنبأ بمداها أو بموعد انتهائها، حيث تدخل الدول الأوروبية الكبرى المسلحة بصورة غير مسبوقة، الساحة اليوم بعضها ضد بعض. ولا يوجد بين هذه الدول من يمكن قهرها تماما في جولة أو حتى جولتين إلى الحد الذي يجبرها على الاعتراف بهزيمتها أو توقيع اتفاق سلام مجحف. وليس بينها من لا تستطيع النهوض مجددا، ولو حتى بعد عام، واستئناف الصراع. أيها السادة، إنها قد تكون"حرب سنوات سبع"أو"حرب أعوام ثلاثين" (أخرى) ، والويل لمن يشعل فتيل الحرب في أوروبا، ومن يبادر إلى إلقاء عود الثقاب في برميل البارود. (18)
كان أهم ما يشغل بال مولتکه إمكانية قيام تحالف ما بين فرنسا وروسيا، وهي الخطوة التي قد تجبر ألمانيا على خوض حرب مدمرة على جبهتين. ونظرا لعجز مولتکه عن إلحاق دمار سريع بالجيشين الفرنسي أو الروسي، فقد وضع خطته على أساس توزيع قوته حتى لا يترك أيها الفرصة للتحرك من دون مقاومة. ولكن توزيع الجهد هذا كان يعني أنه لا أمل أمامه في تجريد أي منها من أسلحتها. ونظرا للافتقار إلى المقومات اللازمة، كان من الضروري أن يكون الهدف الأسمى للاستراتيجية"هدفا متواضعة. وفي حالة نشوب مثل هذه الحرب، كان مولتکه يخطط لإجراء عمليات تهدف إلى إنزال أضرار بالعدو بما يكفي لإقناعه بأن التفاوض حول تسوية سلمية أفضل من مواصلة الأعمال العدائية (19) . وفي هذا السياق على الأقل، يجد مولتکه نفسه يتفق مع بسارك في أن الهدف الاستراتيجي للقوات لا يمكن أن يكون مستقلا تماما عن السياق السياسي الذي جرى فيه تحديد هذا الهدف. فالحرب، بمعنى آخر، لابد من إنهائها بعملية سياسية"