الصفحة 54 من 214

وعلى رغم كفاءة مولته التي لا يرقى إليها الشك، فقد واجهته مشكلة أصعب بكثير تمثلت في بسمارك وإصراره على إخضاع العمليات العسكرية للاعتبارات السياسية. وقد صرح رئيس الوزراء ذات مرة بقوله: «يجب أن أعترف بخجل بأني لم أقرأ مؤلفات کلاوز فيتس، ولم أعرف عنه سوى أنه كان جنرالا كفئا» (10) وبغض النظر عن أوجه القصور في قراءات بسارك فقد كان مقتنعة بضرورة إجراء العمليات العسكرية تبعا للأهداف السياسية العليا المراد تحقيقها من تلك العمليات. وكان يرى أن:

حكومة الدولة التي تعيش في حالة حرب يجب أن تنظر في الاتجاهات أكثر من مجرد الصراع. فمهمة قادة الجيش هي القضاء على القوات المعادية، وهدف الحرب هو فرض السلام بشروط تتفق والسياسة التي تتبعها الدولة. فتحديد الأهداف المرجوة من الحرب وتقييدها، وتقديم النصح للملك فيما يخصها، كل ذلك يظل في أثناء الحرب - ومثلما كان قبلها - وظيفة سياسية، كما إن أسلوب حل هذه المشكلات لا يمكن ألا يؤثر في أسلوب إدارة الحرب. فأساليب الحرب ووسائلها ستظل مرهونة بما إذا كانت النتيجة النهائية التي حصلنا عليها هي النتيجة المرجوة (11)

وبتحديد أكبر، فإن اهتمام الجيش بتجريد أسلحة المعارضين يجب أن يكون تابع المطالب السلام المتعارضة. أما غير ذلك فمعناه إضعاف منفعة الحرب من حيث هي أداة سياسية. لذلك فإن «قضية الحرب والسلام تخص دائم - حتى في زمن الحرب - الوزير السياسي المسؤول، ولا يمكن أن يبت فيها القادة العسكريون الفنيون» . (12)

لهذا، كانت استراتيجية بروسيا في أثناء حروب الوحدة الألمانية مملوكة على نحو طارئ للتفاعل بين الضرورات العسكرية والسياسية كما جسدها مولتکه و بسيارك. لم يكن من السهل على أي منها تجربة وضع الاستراتيجية معا. فقد منحت بنود الدستور البروسي رئيس الأركان العامة ورئيس الوزراء صلاحيات متساوية، وهو مايسمح بالاستفادة من التعاون الوثيق بين الرجلين في حالة الحرب. لكن التعاون بين هاتين الشخصيتين المهمتين، اللتين تتمتع كل منها بثقة كبيرة في قدراتها المهنية، لم يكن مهمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت