الصفحة 18 من 214

بوصفها مسؤغ تصرفنا. پري کلاوز فيتس أن القرارات الاستراتيجية تستلزم «مهارة التمييز، لمعرفة أي القرارات أكثرها أهمية وأشدها حسما (9) » . وجاء آيزه برلين من بعد ليلخص الأمر بصورة جذابة، عندما وصف حسن التقدير بأنه:

القدرة على إدماج مجموعة كبيرة من المعلومات الأولية الظرفية المتغيرة المتشابكة المتعددة الجوانب، وهي التي تحول كثرتها وسرعتها وتداخلها دون تجميعها وتصنيفها، مثلما نفعل بكثير من أفراد الفراشات. فالإدماج، بهذا المعنى، هو رؤية المعلومات الأولية ... بوصفها عناصر في نمط واحد، مع تداعياتها، لرؤيتها بصفتها مؤشرات إلى الماضي والاحتمالات المستقبلية، حتى تمكن رؤيتها بصورة براغماتية؛ على معنى ما يمكن أن تفعله - أو ستفعله - أنت أو الآخرون تجاهها، وما يمكن أن تفعله - أو ستفعله - هي لك وللآخرين ..

لابد من أن نلاحظ أن هذه القدرة"موهبة"يفتقدها معظمنا، ولا يمكن تعليمها لمن لا يمتلكها (10) . وهنا تكمن صعوبة الاستراتيجية. فهي تستلزم شروطا لا يستطيع معظمنا استيفاءها. وقد لاحظ کلاوز فيتس أن عملية صنع القرار الاستراتيجي تترك مساحة أمام

تصوراتنا وتصورات الآخرين، وأمام اعتراضاتنا واحتجاجاتنا، ومن ثم أمام ندمنا» على النتائج. وبما أن كل شيء «يجب أن يقوم على التكهنات والفرضيات، فإن الاقتناعات تصبح أقل قوة» ، وذلك نتيجة مباشرة لابتلائنا با «الشكوك المحيرة» . (11)

يمكننا، بالطبع، أن نحاول تقليل هذه"الشكوك المحيرة"إذا استندت عملية صنع القرار الاستراتيجي إلى معلومات دقيقة بقدر الإمكان عن دوافع العدو ونياته. وکلا فهمنا العدو بشكل أفضل جاء قرارنا صائبة عند تحديد الأهداف الرئيسة. ومن المؤكد أن هناك سقفا لما يمكن أن نحققه في هذا الأمر. فنحن لا نستطيع استشراف تحركات العدو استنادا إلى ما يردده من مزاعم حول نياته، أو ما تردده أطراف أخرى، أو ما سبق أن فعله في ظروف مشابهة، أو استنادا إلى المصادر الأخرى غير المباشرة. علاوة على ذلك، ففي أثناء انغماسنا في جمع هذه المعلومات وتحليلها، ربا يتغير الموقف بما يكفي لقلب استنتاجاتنا رأسا على عقب. ومن ثم، لا بد من أن تستند القرارات الاستراتيجية الخطيرة للغاية إلى أدلة ربما تكون ناقصة أو متناقضة إلى حد ما. وفي ظل الحقيقة الموثقة تاريخية التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت