ولكن الشكوك الكامنة حول المنافع العامة للعقلانية وللوضعية كانت موجودة منذ البداية في العديد من نواحي النقد التي وجهت إلى مشروع التنوير، وإن كانت الوضعية قد سارت قدما في عصرنا، عصر التقدم التقاني والعلمي اللافت للأنظار. ووجد العديدون من نقاد الحداثة بالفعل إثبات المخاوفهم في الآفة الأخلاقية للقرن العشرين، فالعديد من عشرات الملايين من البشر قتلوا على يد عمليات الدولة"العقلانية والإيديولوجيات المادية بطريقة مقطوعة النظير حقيقة في تاريخ العالم، وهو ما ألقى شكا جدية على قيم الحداثة وحول صحة الأسس الأخلاقية لهذه الحداثة أيضا. لقد مزقت الحداثة التقليد- وهو، الاعتقاد بالسماء المنظمة التي تخصصت أماكن مكرسة لكل شيء في نظام رباني - وأحلت محله العقل المزعوم (وهو في الأغلب عقل أعمى أخلاقية) ، وبيروقراطية رسمية غير أخلاقية، والوكالات غير الإنسانية لقوى التصنيع والسوق. ولكن الإمكانية المادية والروحية للعقلانية وللعقل فقد صارت تبعث على القشعريرة أكثر من أي وقت مضى بعد أن تكشفت عواقب الحياة السياسية للقرن العشرين. وكان نيتشه في وقت مبكر قد تفكر في التكاليف الأخلاقية والاجتماعية لما سمي"موت الله". وألقى فرويد الشك على إمكانية وجود العقلانية الحقيقية نفسها في العقل البشري، وهو العقل الذي كشف فرويد عن أنه محكوم بطاقات جبارة من الحوافز الخبيئة، والرغبات، والهواجس الكامنة في الطرق الفرعية من اللاشعور، والتي لا تنكشف إلا جزئية فقط من خلال فن التحليل النفسي الناقص."
وخطا الهجوم على الدين وعلى الحكمة الموحى بها من الله خطوة أبعد مع الظهور التدريجي للفكر ما بعد الحداثي. فمع ما بعد الحداثة صار مجرد وجود"الحقيقة"نفسها موضع شك، وصار ينظر إليها بوصفها مفهوم نسبية تماما. وكانت الرؤية الكبيرة لما بعد الحداثة هي الاحتفاظ