الصفحة 376 من 389

الدين وتحدي ما بعد الحداثة

الملمح المذهل لعصرنا"ما بعد الحديث"هو الهجوم المستمر على مفاهيم الحداثة وحقائقها. وقد كانت الحداثة في جوهرها مشروع أربعمائة عام، وكانت عملية التحرك بعيدة عن الدين والاعتقاد (وعن الخرافة البسيطة كذلك) أساسأ لفهم كيفية عمل العالم المادي. والحداثة تستدعي احتضان العقل، والعقلانية، والعلم، والوضعية، والتجريبية. ونتيجة لذلك، فقد أجبر كل دين على أن يعيد التفكير بالعديد من مواقعه التي كان يتمسك بها تمسكا عميقا حول قضايا العالم المادي وأجبر على أن ينظر في الطبيعة، والمصدر، ومدى السلطة الدينية. وأجبرت كل الأديان على الاعتراف بأن الفكر الحديث كان هو الأساس الفلسفي الحاكم للمجتمع الحديث. لقد أسس التنوير دينة جديدة في قوى التعليم والعقلانية، وخلق بذلك تفاؤلا جديدة يتخذ بموجبه البشر العارفون والعقلاء خيارات حكيمة وهي بالتالي خيارات أخلاقية من أجل خيرهم وخير المجتمع. وصارت السلطة آنئذ لا تستطيع أن تكتسب القبول إلا حين تظهر مهارات ومعرفة يمكن البرهان عليها فقط لا بالإصرار على إظهار الاحترام للتقليد وللأقدمية. وفي الوقت الذي حلت فيه التجريبية محل تفسيرات العالم المادي المستندة إلى الإيمان أو إلى التفسيرات الصوفية، فإن التجريبية لم تقتلع الدين وتحل محله - ولن تستطيع أبدا - في قضايا القيم الروحية والأخلاقية. فالعلم لا يستطيع أبدأ أن يقدم إجابات للأسئلة الفلسفية التي نسأل فيها لماذا نحن هنا على الأرض؟ وما هو الهدف الذي ينبغي أن يكون الحياة الفرد؟ وما هو معنى الموت؟ وليس مفروضة على العلم في الأصل أن يجيب عن مثل هذه الأسئلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت