الصفحة 93 من 344

ليقدم متطرفين مثل عمر عبد الرحمن باعتبارهم يمثلون موقف الحركة الإسلامية كلها من الفنون. فلم تمر عبارة حمقاء قالها أحد شيوخ التطرف المجهولين دون إلقاء الضوء عليها. ولطالما غطت مجلة روز اليوسف على وجه الخصوص مثل تلك المواقف والتصريحات المتطرفة على أوسع نطاق. وفي هذا السياق المصطنع، يقدم النظام نفسه باعتباره حامي الحريات الفنية والفكرية. وكلما علت أصوات جماعات العنف الإسلامية، بدا الليبراليون واليساريون أكثر استعدادا للجوء للنظام لحمايتهم من تهديد الإسلاميين. والنظام المصري الذي كان في عهد ناصر مسلحة برؤية قومية عروبية صار في التسعينات مسلحة فقط. وبدلا من وجود رؤية، صار النظام يعتمد على قانون الطوارئ مدعوما في ذلك بالجيش والبوليس. وبدلا من سياسة ثقافية تستلهم في خطوطها العريضة مشروعا وطنيا، صار النظام يعتمد بشكل متكرر على الإجراءات الأمنية.

وقد هاجم الإسلاميون الجدد تلك الرؤية بقوة، ولم يكن رأيهم أنه لا يوجد تهديد من التطرف الإسلامي الذي يهاجم الفنون بالعنف. فلأنهم هم أنفسهم كانوا هدفا لهجوم تلك الجماعات، فإنهم لا يحملون أوهاما في ذلك الشأن، ولكنهم يرفضون فكرة أن كل الإسلاميين ينطبق عليهم الوصف نفسه. ففي مصر - مثلما الحال في الغرب - فإن التطابق بين «الإسلام والتهديد» يتم تعميمه لخدمة أغراض رسمية؛ فباسم حماية الفنون، استغلت الحكومة المصرية هجوم جماعات العنف كغطاء من أجل الانقضاض على كل الأنشطة الاجتماعية والسياسية بل وحتى الخيرية التي تتم برعاية إسلامية مستقلة، بما في ذلك تلك التي يرعاها تيار الوسطية الإسلامي. وقد كسبت الحكومة دعم اليسار عن طريق تصوير هجمتها على الديمقراطية باعتبارها هجمة على المتطرفين.

وصارت الفنون مصدرا لصدامات أمنية، بما يعنيه ذلك من التركيز على المعركة التي تتوقف نتيجتها على ما تحت سيطرة الحكومة من سلاح، بدلا من أن تكون الفنون موضوعا لجدل عام بشأن القيم والتقاليد الثقافية والمشروع الوطني الذي من شأنه أن يجذب الانتباه نحو ما تفتقر إليه الحكومة من رؤية وطنية قوية متماسكة. وقد كافح الإسلاميون الجدد من أجل نقل الجدل بشأن الفنون من الأرضية الأمنية إلى الأرضية الحضارية؛ ففي ندوة عن أسباب العنف، أكد الغزالي أنه لا يمكن مواجهة أزمة مصر الروحية اللازم التعامل معها لمواجهة الشباب المتطرف عبر القمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت