الطرح قضيته. وحتى حين أقدم على توجيه إنذار قضائي لرئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون يطالبه بوقف البرنامج المستفز والذي تعوزه اللياقة، فإنه فعل ذلك دون الخوض في معتقدات الرجل وإيمانه الشخصي (46) . وقد رفضت المحكمة الإدارية العليا القضية في صيف 1988، ثم مرة أخرى في ربيع 1991، على أساس أن اتحاد الإذاعة والتليفزيون «منوط به أن يقدم مختلف البرامج بعضها تعليمي وبعضها ديني والأخر ترفيهي» (47) . ولم يتطرق الحكم إلى إهانة القيم الإسلامية التي يؤمن بها قطاع ضخم من الناس. كما اختارت المحكمة ألا تتطرق إلى تأثير مثل تلك البرامج خلال شهر رمضان.
غير أن الشكعة استمر في تحديه مصر على الجانب القيمي في قضيته (48) . ولم
تغط الصحافة الرسمية القضية إلا فيما ندر، بينما توسعت الصحف والدوريات الإسلامية في تغطية تفاصيلها؛ فالصحف الحكومية عادة ما تعطي الاهتمام الأكبر الهجوم جماعات العنف على الفنون. وحين تأتي على ذكر المعتدلين، فإنها كثيرا ما تشوه آراءهم على نحو يصور مواقفهم وكأنها لا تختلف عن الهجوم الرجعي المتطرف على كل أنواع الفن (49) . لكن قصة الشكعة لم تكن تتناسب مع ذلك الإطار؛ فهي تفتقر إلى الشخصية النمطية المعروفة التي يمكن من خلالها تقديم الموضوع باعتباره ظلامية دينية أو إرهابا في مواجهة حرية التعبير والإبداع الفني؛ فالقضية هذه المرة قضية مفکر له احترامه، وهو شخصية لا تشبه على الإطلاق صورة الإرهابي، ثم إنه يلجأ للقضاء للمحاجة بشان قضية تتعلق بالسياسة الإعلامية. والشكعة يسعى في ذلك لا إلى إدانة الفن بل إلى إدانة سوء استخدام التعبير الفني في جهاز تموله الدولة على نحو يسئ إلى الشعور الديني. ومن خلال ذلك يثير قضايا معقدة تتعلق بالمعنى ومستوى الأداء والمعايير. وهي مسائل يفضل النظام أن يتحاشاها؛ فهي تطرح أسئلة مثل: ما الدور الذي ينبغي للفن والإعلام أن يلعبه في الحياة الثقافية للمجتمع الإسلامي؟ بأي المعايير يمكن الحكم على الفنون؟ وأي نوع من القيود على التعبير الفني هي تلك تناسب المجتمع الإسلامي؟
ومن خلال طرح مثل تلك الأسئلة الصعبة عن العلاقة بين الإسلام والفن في الإعلام الذي تسيطر عليه الدولة، ألقى الشكعة الضوء على غياب موقف حكومي متماسك من كل تلك القضايا المحورية؛ فقد كشفت قضيته القانونية عن الغموض السائد بشأن القيم المحورية في الحياة العامة المصرية، الأمر الذي يخلق فراغا يمكن أن