العليا، وما يؤهلها -أيضا- لسوء الاستخدام. ويرفض الغزالي فكرة «الأمراء» التي تحرم الغناء، ويعارض بقوة الفكرة التي يتبناها الكثير من الإسلاميين - المحافظين والمتطرفين - التي تعتبر صوت المرأة عورة لا ينبغي سماعه. غير أن الغزالي رفض في الوقت ذاته فكرة العلمانيين القائلة بأن كل الكلام الذي تصحبه الموسيقى مناسب للمجتمع الإسلامي.
ويقول الغزالي إن الغناء - مثله مثل كل الفنون - أداة لنقل المعنى، وهي قد تستخدم لنقل معني حلال أو لنقل معني حرام؛ «فالغناء شكل من أشكال الكلام حلاله حلال وحرامه حرام» . ويوجه الغزالي نصيحته للإسلاميين قائلا: «بدلا من أن نقول أن الإسلام يحرم الغناء نقول إن العبرة بما ينقله من كلمات ومعان» (35) . ثم يوجه كلامه للعلمانيين شارحا أنه لا يجوز الموافقة بلا قيد على كل المعاني التي ينقلها الفن بدعوى حرية الإبداع؛ فقد تكون بعض المعاني غير مقبولة، وبعضها محايد في تأثيره، وبعضها الآخر مناسب تماما للمجتمع الإسلامي بل أداة مؤثرة في تحسين أوضاعه. فالمهم هو المعاني التي يتم توصيلها والطريقة التي يحدث بها ذلك (36) .
وقد أوضح الغزالي -أيضا- أن جماليات الانتماء عند الإسلاميين الجدد لا تتعلق فقط بالماضي وأشكال الفنون التي كان متعارف عليها في العصر الذهبي للإسلام. صحيح أن تلك الكنوز ينبغي صيانتها ونقلها لكل جيل من الأجيال الجديدة لأنها إنجازات إبداعية للحضارة الإسلامية من شأنها أن تعزز الشعور بالهوية والانتماء، إلا أن الغزالي قدم أيضا الأساس النظري لمقاومة أية محاولة لفرض قالب إسلامي جامد على الفنون عموما، وعلى الأدب على وجه الخصوص؛ فالإبداع مكون جوهري من مكونات الطبيعة البشرية، وواحد من أكثر خصائصها قيمة. ومن ثم لا يجوز كبته عبر تقليد نماذج جامدة مفروضة عليه. ومن أجل شرح ما يقصد، حکي الغزالي قصة قطعة الذهب التي منحها الرسول هدية لشاعر. كان الشاعر الذي اختار أن يكرمه محماد نه قد كتب قصيدة في مدح الله ولكن على نحو فريد لم يكن مألوفا بين الشعراء المحترفين في ذلك العصر. ويقول الغزالي إن الرسول كافأ الشاعر على عمل كان يعلم أنه لا يمكن تقليده؛ لأنه نبع من قلب امتلا بحمد الله وعبر عن نفسه في شكل جديد لم يتعارض مع جوهر الإسلام (37)
ورغم اعترافهم بأن الحضارة الإسلامية قد قدمت أعمالا فنية عظيمة أثرت