وبذلك احتل الإسلاميون الجدد بموقفهم هذا موقع وسط بين المتطرفين العلمانيين والمتطرفين الإسلاميين. وطوال عقدي الثمانينات والتسعينات الصاخبين، انخرط الإسلاميون الجدد بنشاط في الجدل والنقاش العام بشأن الفنون مؤيدين ومدافعين عن رؤاهم الوسطية. وفضلا عن ذلك فقد استمروا يقومون بدورهم الفقهي نحو مزيد من التطوير لفهمهم الوسطي ندور الفن في المجتمع الإسلامي. وكان محمد الغزالي، ويوسف القرضاوي الأكثر رصانة وانتظام في تقديم الأسس من القرآن والسنة لجماليات الانتماء. وتعتبر أعمالهما الأكثر أهمية؛ نظرا لتأصيلها لرؤي الإسلاميين الجدد عن الفنون من واقع النص وتفسيره في ضوء الظروف المعاصرة. وقد أسهما -أيضا- في تقديم فهم أعمق لأهمية الفن في دعم الصحوة الإسلامية في عصرنا الحالي. وتمثل المبادئ التي قدمها الغزالي والقرضاوي نقطة التقاء يجتمع حولها الإسلاميون الجدد الأخرون الذين ساعدوا جميعا على شرح جماليات الانتماء وتطويرها نظرية وعملية.
وفي رده المباشر على المتطرفين الذين يدينون كل الفنون، يقول يوسف القرضاوي بشكل قاطع إنه لا يوجد في القرآن ولا السنة أي دليل صحيح يشير إلى تحريم الفنون (32) . ويقول الغزالي إن المتطرفين يعتمدون على أحاديث غير مؤكدة، ويسيئون قراءة النصوص، بل ويشير الفقيهان إلى أدلة كثيرة من القرآن والسنة تؤكد احتفاء الإسلام بالفنون. ويستفيض كل من الغزالي والقرضاوي في الحديث عن الموقع المهم للفنان في المجتمع الإسلامي؛ فتكليف الله للإنسان أن يكون خليفته في الأرض يتطلب من الأخير أن يستخدم ملكاته للتدبر في جمال مخلوقات الله حتى تلهمه في مهمة إعمار الكون. وتقدم السنة أمثلة حية على قبول الرسول بلد للفنون بما في ذلك الشعر والغناء التي تقوم بدوري التهذيب والإمتاع، وكلاهما كفله الله للإنسان (33) . ويتساءل الغزالي لماذا في تلك الأوقات المضطربة ينقلب المسلمون على أداة قوية مثل الفن رغم أنها قادرة على النهوض بالنفوس وشحذ طاقة البشر من أجل إعادة تجديد مجتمعاتهم المهددة؟ فبدلا من التنديد بالفنون، دعا الغزالي لضم الفنانين لقائمة من يخدمون المجتمع الإسلامي (34)
ويؤكد الغزالي -أيضا- على فكرة جوهرية من أفكار الإسلاميين الجدد مؤداها أن الفنون هي واحدة ضمن عاد من الأدوات القوية التي سخرها الله للإنسان. ومثلها مثل غيرها من الوسائل المتاحة للبشر؛ فإن في الفنون ما يمكنها من أن تخدم المقاصد