أربكهم هجوم المتشددين على الفنون أنه لا يوجد «دليل مقنع بأن الإسلام يحرم الفن والغناء والموسيقى، ولا ينبغي أن يشعر المرء أنه يخطئ حين يستمع للموسيقى أو يغني أو يعجب بالفنون» (26) . ومن عسى أرضية إيمانية، يواجه أبو المجد المتشددين مؤكدا على أن حمد الله هو أفضل عبادة في كل الأديان، إلا أن ذلك ليس مكنا دون استشعار نعم الله بصدق. «وكيف للمرء أن يشعر بتلك النعم دون التمييز بين الجمال والقبح» (27) . ويختم أبو المجد بتقريع صارم للمتشددين من أن أولئك الذين يحرسون الفنون لا يمكنهم أبدا أن يشعروا بنعم الله (28)
ورغم تبني الإسلاميين الجدد الفقري للفنون، إلا إنهم يفعلون ذلك على نحو يميز بينهم وبين العلمانيين المتطرفين مثلما يميز بينهم وبين جماعات العنف الإسلامي؛ فالعلمانيون يدافعون عن حرية تعبير مجردة بلا قيود باعتبارها الحل إزاء هجمة المتطرفين على الفنون. وكما هو التفكير السائد في الغرب، يرى العلمانيون أن للفن لغة عالمية لكل زمان ومكان لا يمكنها تحمل أية قيود على حرية التعبير. ومن تلك الرؤية القائمة على الحقوق المجردة ينظر العلمانيون إلى أفكار الإسلاميين المتطرفين باعتبارها رجعية متحجرة. ولكنهم وجدوا في أفكار الإسلاميين المعتقلين ما يدعوهم -أيضا- للانزعاج. فلم يكن العلمانيون على استعداد لقبول فكرة الإسلاميين الجدد التي تعتبر أن الفن ينبع من المجتمع وينتمي إليه، ومن ثم ينبغي أن يحترم قيمه؛ فقد رفضوا أي طرح يتعلق بالأساس الثقافي والاجتماعي للفن من شأنه أن يعني قيودا
على العملية الإبداعية.
وقد رفض الإسلاميون الجدد بدورهم الأفكار العلمانية المتطرفة، واعتبروها تتشبث بالخطأ على حساب المصلحة العامة؛ فمن وجهة نظرهم، ينبع الخطر من رفض العلمانيين الاعتراف بأهمية وضع ضوابط تحمي ثوابت المجتمع. وقد خشي الإسلاميون الجدد أن تؤدي دعوة العلمانيين إلى الحرية المطلقة إلى إتاحة كل أنواع التجاوزات. وقد تؤدي المبالغات التي سوف تنتج بالضرورة عن تلك الرؤية إلى توفير الوقود للراديكاليين الإسلاميين الذين يستخدمون العنف في إدانتهم الشاملة للفنون وهجومهم على الفنانين.
ولهذه الأسباب واجه الإسلاميون الجدد بشكل مباشر رفض العلمانيين اللاعتراف بأهمية تلك الضوابط؛ فمن وجهة نظرهم لا يوجد مجتمع بلا ثوابت من القيم المدنية والثقافية المشتركة، كما أن كل المجتمعات تضع حدودا وضوابط على