الصفحة 81 من 344

تولدها، حتى لو كان يعبر بأشكال معقدة وبارعة عن الأوضاع الإنسانية عموما. وقد ازدهرت هجمات المتطرفين على الفنون في ساحة سياسية واجتماعية جرداء. وأفكار جماعات العنف يكون لها منطق حتى وإن كان مضللا - إذا ما أتت في بيئة الفقر والبؤس واليأس. وقد أدرك الإسلاميون الجدد - مثلما أدرك محفوظ - أصول ذلك الحرمان واليأس المناهض للجمال؛ فرأوا العلاقة المعقدة بين الفن والسياق العام، وبين الوعي الجمالي والأوضاع الاجتماعية. وقد أدى عجز الحكم عن التعبير عن هوية ثقافية متماسكة وصياغة مشروع وطني يعبر عنها إلى فراغ أخلاقي وفكري جعل الحرمان المادي أكثر سوءا. وفي إطار من الفقر وانعدام الأمل، يصبح الهجوم على الفنون بل وعلى الجمال نفسه بمثابة تعويض مضلل عن العجز عن قهر ذلك البؤس.

ويزعم الإسلاميون الجدد أنه لا يمكن تخيل مجتمع إسلامي بلا فنون. وهم في كتاباتهم يشرحون جماليات الانتماء؛ فيعلن الغزالي أن أصحاب النفوس المريضة فقط هم الذين يعجزون عن إدراك احتفاء الحضارة الإسلامية بالجمال وتأكيدها على التدبر في جمال الكون الذي خلقه الله (24) . ومن وجهة نظر الإسلاميين الجدد، فإن المجتمع الإسلامي يقوم على قيم الإسلام ومقاصده. والفنون التي تنبعث من تلك التربة من شأنها أن تستلهم الشعور بالانتماء إلى العالم الإسلامي وتزيده عمقا. هذا فضلا عن أن الموهبة التي يمنحها الله للفنانين من شأنها أن تصقل التعبير عن القيم الإسلامية الجوهرية، وتعظم من فرص الالتزام بها. فالفنانون -كما يشرح کمال أبو المجد- لهم مكانة مقدرة في المجتمع الإسلامي؛ لأن مواهبهم هبة من الله، وهي هبة تهذب التجربة الإنسانية وتثريها.

وأنا اسأل من هو الفنان؟ إنه شخص آتاه الله نعمة خاصة، وملكة متميزة، وموهبة خلاصتها أنه يستقبل الأشياء بحساسية ليست لغيره، ويخرج التعبير عنها بدقة وثراء ليست لغيره سواء كان شاعرا أو أديبأ أو رسامة. إن الفنان يرى في إيقاع الأشياء أصوات أعلى، وتعبيرات أوضح، ويخرجها ممزوجة بنفسه، وفيها عطاء لا يحسنه غيره. هذا الأمر يرحب به الإسلام لأنه نوع من الجمال، لأنه تعبير عن خلق الله، ولا يتصور أبدأ أن يكون الإسلام ضد هذا (25)

ويذكر أبو المجد المسلمين بأن إحدى وسائل العبادة هي أن يذكر المؤمن نعم الله التي لا تحصى. من إذن يمكن أن يتعبد بشكل أفضل من الفنان بمشاعره المرهفة وخياله الخصب الذي يتجاوب مع الجمال لا القبح؟ ويؤكد أبو المجد للمسلمين الذين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت