والحضارة الإسلامية - مثلها مثل كل الثقافات التي بنيت على تقليد الأديان الكبرى - تنطوي على القيم التي تدعم مثل ذلك التوجه التعليمي. والإسلاميون الجدد يعتبرون الحضارة الإسلامية مصدر إلهام في عملية التعلم؛ فهي تغرس الإيمان بأهمية العقل کمرشد لا لفهم الوحي فقط وإنما لفهم العالم أيضا. وهي عندهم - أيضأ - حضارة تحتفي بالاختلافات البشرية باعتبارها بعدة إيجابية في الخبرة التي أرادها الله للبشر. والمصريون في حاجة لتلك الثقة التي تنطوي عليها تلك الهوية الحضارية حتى يتغلبوا على العقبات التي يفرضها واقعهم الراهن. ولا يقلل الإسلاميون الجدد من شأن الآثار المعوقة الناتجة عن الفقر والضعف في مواجهة القوى الغربية المهيمنة؛ فهم يدركون كيف تضغط قضايا السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية بقوة على شعب يعاني من تخلف مجتمعه. ولكنهم يقولون إن على المصريين أن يتحركوا في ظل تلك المعوقات مستغلين كل الفرص التي تتاح لهم بدلا من إضاعة الوقت والطاقة في إلقاء اللوم على الآخرين واعتبارهم مسئولين عن أوضاعهم. فعجز مصر عن الحركة للأمام لا يمكن في رأيهم تفسيره من خلال تلك العوامل الخارجية وحدها؛ فالأسباب تذهب إلى ما هو أعمق من مجرد عدم كفاءة نظام الحكم، أو اتساع نطاق الفقر، أو موقع مصر في النظام الدولي. ورغم أنهم على قناعة بأهمية كل من هذه العوامل في خلق عقبات مؤسسية وهيكلية قوية، إلا أنهم يصرون على أنه يظل هناك هامش للمبادرات الجماعية الخلاقة في المجالات الرئيسية للسياسة العامة، وهو الهامش الذي عجز المصريون عن استغلاله. ولا أمل في أن يصل المصريون إلى إدراك شامل لواقعهم ويستجمعون قوتهم للعمل معا لتحسينه، إلا من خلال استعادة الثقة في حضارتهم.
ويكرس الإسلاميون الجدد کمفكرين طاقاتهم من أجل إيجاد الأسس الفكرية المثل تلك الرؤية الحضارية. وقد قدمت أعمالهم الفكرية المحددة بشأن قضايا الثقافة والتعليم - إذا ما تم فهمها في ذلك الإطار العام- قدمت نموذج مقنعا للمشروع الحضاري الذي يدعون له. فأخذا في الاعتبار المشترك الفكري مع التيارات الأخرى، تناول الإسلاميون الجدد المسائل التاريخية المحورية مثل دور الإسلام والقومية في المقاومة الوطنية. وقد أنتجوا جسدا متكاملا من الأعمال الرصينة التي تناولت قضايا أساسية كالثقافة واللغة والهوية، وصححوا أفكار مغلوطة عن العقل والعلم في السباق الثقافي الإسلامي، وتعاملوا مع مسائل اجتماعية معاصرة ذات علاقة