رفضوا بشكل قاطع أي لجوء للعنف لتحقيق أهداف سياسية أو أية أهداف أخرى.
وبالنسبة للإسلاميين الجدد يمثل الإسلام خيار حضارية له تداعيات تذهب إلى ما هو أبعد من مجال السياسة؛ فهم يصوغون رؤية شاملة للإسلام كحضارة مقارنة بالمفاهيم الأكثر محدودية لأنصار الإسلام السياسي. ففي المجال العام الذي تهيمن فيه السياسة عموما، يؤكد الإسلاميون الجدد على الثقافة وتحصيل المعرفة وتعميق القيم لا على الوصول للسلطة والهيمنة على الهياكل الإدارية كأدوات رئيسية للتغيير الاجتماعي، وهذا التركيز على الثقافة يجعل من رؤيتهم بالضرورة رؤية تدرجية مرنة وطويلة الأجل.
وتيار الوسطية الإسلامي يجعل الاستقلال الثقافي والانفتاح على العالم الدعامتين الرئيسيتين لإستراتيجية الإحياء. ويصر الشيخ محمد الغزالي - الذي يقف في قلب تيار الوسطية - على حتمية أن يواجه المصريون الجروح التي خلقها الاستعمار الغربي في أكثر مستويات الثقافة عمقا. ففي مقال له في 1992 في صحيفة الشعب، اعتبر الغزالي أن «الغرب فرض نفسه بالقوة الغاشمة وهاجم أكثر معتقداتنا قدسية واستهدف شخصيتنا الوطنية ذات النقافة الإسلامية. فقد بدأ الاستعمار بالغزو العسكري للأرض مصحوبا بكراهية واضحة لديننا ولغتنا وحضارتنا وكل طاقاتها المادية والأخلاقية. ثم حول المستعمرون شعوبنا بانتظام إلى مستهلكين بدلا من منتجين، وإلى قاطرة ملحقة بمحرك غربي يجرها أينما يشاء دون إرادة منها،.
ويصر الغزالي على ضرورة أن يواجه المصريون الحقيقة إذ إن هذا التاريخ له سمات
الاغتصاب لا الحوار (51)
غير أن النقطة الأهم التي يقدمها الغزالي هي أن عملية التمزيق الثقافي التي قام بها الغرب لا تزال مستمرة خاصة في بعدها الثقافي البغيض. إذ يضيف الغزالي أن الغزو الثقافي في عالم اليوم لا يزال يعتمد كما اعتمد تاريخيا على التفوق العسكري والسياسي؛ فالغرب يستخدم اختلال ميزان القوي للإبقاء على مصر ضعيفة عبر دعم أعدائها وفرض معاملات غير عادلة في كل الجوانب. فالغرب سوف يرسل إلينا السلاح ولكنه سيتحكم في إمدادات الذخيرة وقطع الغيار وفق شروطه». ويوضح الغزالي أن الغزو الثقافي أكثر خبثا من الغزو العسكري؛ لأن الغزو الثقافي محو الهوية المتميزة، وهو تشويه متعمد لكيان الأمة وخصائصها. وفي هذه الظروف فإن أكثر العناصر التصاقا بالثقافة -- كاللغة والدين - هي التي تتعرض لمخاطر