الصفحة 58 من 344

بالمعنى السليم: إسلام الوسطية. وفي مهمة الإصلاح التعليمي وإعادة البناء الثقافي، يجد الإسلاميون الجدد ذخيرتهم في تقاليد الوسطية الإسلامية؛ فقد أخذ الإسلاميون الجدد عن تيار الوسطية -خاصة أعمال الشيخ محمد عبده - الفكرة المحورية المتعلقة بأولوية الثقافة في الكفاح من أجل الاستقلال، والالتزام بإصلاح التعليم كخطوة أولى نحو إعادة البناء الثقافي، والإيمان بأن كلا من الإسلام الصحيح والديمقراطية في إطار إسلامي حضاري من شأنهما أن يقدما ما المحرك لعملية التغيير الاجتماعي والثقافي طويل الأجل. وبهذا المعنى العميق، فإن دعوة الإسلاميين الجدد إلى الإصلاح التعليمي كانت القاطرة التي من خلالها يتم إعادة فتح النقاش المهم حول طبيعة الدولة المصرية الحديثة وهوية المصريين الذين تمثلهم تلك الدولة. ولا يوجد في رؤية الإسلاميين الجدد أي حنين للماضي أو لعصر ذهبي سابق، وما يسعون إليه أكثر طموحا في الواقع مما يعتقد الذين يصفون رؤاهم بأنها تهدف إلى خلق مجتمع إسلامي موازي»؛ فمثل تلك الصياغات المضللة هي من صنع محللين غربيين أو نقاد مصريين ينطلقون من مخاوف إزاء التطرف الإسلامي هي ليست في محلها عند تحليل تلك الرؤية؛ فهذه الرؤية الوسطية للإسلاميين الجدد أكثر جرأة وشمولا وراديکالية من تلك التصورات والمخاوف؛ فهي تستجيب للأسئلة الرئيسية التي برزت لأول مرة في نهاية القرن التاسع عشر حول طبيعة الدولة، وهوية شعبها، والهدف الذي من أجله تستخدم سلطة الدولة ومسئولياتها إزاء مواطنيها، وما معني أن يكونوا مواطنين لا رعايا (49) . وقد مثل فكر الإسلاميين الجدد بشأن التعليم ومداخلاتهم الداعية للإصلاح التعليمي القلب من رؤيتهم؛ فاجتهاداتهم بشأن التعليم تنطوي على صورة مصغرة لأسس رؤيتهم للمستقبل وأملهم فيه، والتي تترجمها هذه المدرسة الفكرية الإسلامية الوسطية إلى معالجة أكثر تخصصا للثقافة والمجتمع والسياسة (50) .

وقد أكد الإسلاميون الجدد على أولوية الثقافة على السياسة عند معالجة الأزمة الثقافية. وذلك من واقع إيمانهم بأن النظام والساحة السياسية التي يسيطر عليها ليست مناسبة لهذه المهمة؛ فالفساد والطابع غير الديمقراطي للساحة السياسية جعلها غير مبشرة لعمل من هذا النوع. ورغم أنهم أيدوا جهود الوسطيين الإسلاميين اللانخراط في النشاط السياسي الحزبي، فقد ظل موقفهم إزاء النجاح في الساحة السياسية هو التفاؤل المشوب بالحذر على أفضل تقدير. غير أن الإسلاميين الجدد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت