تحولات سياسية وأيديولوجية من النقيض إلى النقيض، مرة كل عقد تقريبا منذ منتصف القرن». فقبل أن يتولى النظام الناصري الحكم كان لمصر نظام اقتصادي رأسمالي متخلف يعتمد بوضوح على القوى الخارجية. وقد بدأ التحول التدريجي بعيدا عن ذلك النظام مع تولي الضباط الأحرار بزعامة جمال عبد الناصر. وقد تسارع ذلك التوجه مع تأسيم ممتلكات الأجانب الذي جاء بعد العدوان الثلاثي على مصر في 1956
ومع صدور قرارات التأميم الأكثر عمقا في 1962 و 1963، خلق الحكم نظاما اشتراكية مبنية على التخطيط المركزي وملكية الدولة لوسائل الإنتاج الرئيسية. وقد استمرت التجربة الاشتراكية حوالي عشر سنوات حتى حرب ، وهي التي سار بعدها السادات في الاتجاه المعاكس وفتح مصر مرة أخرى أمام الهياكل والتأثيرات الرأسمالية التي يحددها السوق العالمي. كما وعد السادات بليبرالية سياسية اتضح مدى سطحية الالتزام بها مع نهاية عهده. وقد مثل عقدا الثمانينات والتسعينات استمرارا لاستراتيجية السادات الرئيسية القائمة على انفتاح اقتصادي وليبرالية شكلية. ويقول كمال أبو المجد إن كلا من تلك التوجهات كانت في حاجة إلى نظام قيمي وسياسي وقانوني مختلف للإبقاء عليها. فالمتطلبات المعرفية والمهارات المطلوبة لكل من تلك النظم تختلف اختلافا كبيرا. فما يعتبر فسادا ومناورات يعاقب عليها القانون في أحدها عادة ما ينظر إليه باعتباره «سلوكا ذكيا في الأخر» على حد تعبير كمال أبو المجد (46) .
ويرى الإسلاميون الجدد أن ظاهرة الإرهاب هي أكثر أعراض الفشل التاريخي للقومية خطورة؛ فهم يرون تحديدا أن الإرهاب ظاهرة نبعت من الفراغ الذي نتج عن تحلل أيديولوجية النظام وتفسخها، في الوقت الذي كانت فيه الأوضاع المادية لعموم المصريين في تدهور. وقد ازدادت فرص الإرهاب - كما يقولون - بسبب القمع الذي مورس على البديل الإسلامي المعتدل. ففي غياب الأمل في أن تنتشل أيديولوجية النظام- أو بديل إسلامي ذو مصداقية - البلاد من الفوضى مات حلم التنمية الوطنية والإنجاز الشخصي. ومع تلاشي الأمل صعد المتطرفون الذين ساعدهم في تلك تدهور الظروف المادية لجموع المصريين كما يقول الإسلاميون الجدد. فبالنسبة للكثيرين، كان المشروع الوطني للنظام هو الحلم، هذا بينما تطلع آخرون إلى تجديد التيار الإسلامي الأساسي، خاصة الإخوان المسلمون. وحينما بدا هذان الطريقان