والتسعينات كانت قد حسمت الحوار حول التعليم العالي الخاص في صورة تعليم هادف للربح. ولم يؤد افتتاح أربع جامعات خاصة في النصف الثاني من التسعينات إلى تحسين الوضع؛ فقد كان الدافع الرئيسي وراء تلك الاستثمارات هو الربح لا التعليم؛ فالإمكانات متواضعة، وأعضاء هيئة التدريس أتوا بالتعاقد المؤقت من الجامعات الحكومية. وتشير التقارير الأولية إلى أن مستوى التعليم في تلك الجامعات أقل بشكل ملحوظ عنه في الجامعات العامة (29)
ومن ثم ليس غريبا أن يشعر طلاب الجامعات بإحساس عام بالارتباك والانفصال عن الجماعة الوطنية، وهو الأمر الذي يضاعف من إحساسهم بالصعوبات المادية التي يواجهونها.
ويوضح الإسلاميون الجدد أنه في مصر - كما في معظم العالم العربي - لم يتم حسم المسائل الاجتماعية الكبري کدور الدين في الحياة العامة، أو الطبيعة الثقافية للجماعة الوطنية (30) . فقضايا الهوية والوجهة الوطنية تظل مصدرا للكثير من الارتباك والتشوش، وعلى ذلك يصل طلاب الجامعة لسن الرشد دون إجابات ولو مبدئية عن الأسئلة الاجتماعية الكبرى. ويمتد عدم اليقين من المسائل الدينية والتاريخية ليشمل عددا كبيرا من القضايا الاجتماعية بل وحتى الجامعية. ويعرض فهمي هويدي جزءا كاشفة من رسالة كتبها له طالب في كلية التربية، قال فيها: «لم نعد نعرف الصواب من الخطأ ... فنحن نقرأ من يقول بأن النقاب بدعة ليست من الدين ومن يقول بأنه واجب يتطلبه الدين. ونسمع من يحرم الغناء والتمثيل والموسيقى ثم يأتي من يقول بأنها حلال في الأصل، ونطالع من يحدثنا عن مجد المسلمين وعظمة تاريخهم ثم نجد من يقول أن التاريخ الإسلامي لم يكن سوى سلسلة من المظالم والكوارث، ونقرأ لمن يتباهي بالخلافة الإسلامية ويعتبرها حلما عظيمة، ثم يجيء من يقول بأن الخلافة كانت کابوس والدعوة إليها فتنة. والأخطر أن حيرة الواحد منا تشمل دائرة الحاضر، فنحن لم نعد نعرف هل شركات توظيف الأموال تخدم الاقتصاد الوطني أو أنها تهدده؟ وهل أعضاء تنظيم ثورة مصر أشرار أو أخبار؟ وهل بيع فندق سان استيفانو لمصلحة البلاد أو ضدها؟ وهل الأمريكان أصدقاؤنا أو أعداؤنا؟ وهل جمال عبد الناصر زعيم وطني أو أنه دكتاتور خدع الشعب ولم يكن حكمه سوى صفحة سوداء في تاريخ مصر؟ أكثر من ذلك نحن أصبحنا لا نعرف هل الدروس الخصوصية خطأ أو صواب» ..