المشهد من أسفل. ووجد النظام التعليمي نفسه في العقد الأخير من القرن العشرين محاصرة من كل الجهات؛ ففي ربيع 1993 على سبيل المثال، تكررت ظاهرة الإغماء الجماعي للفتيات الصغيرات في المدارس وانتشرت في أكثر من عشر محافظات، وكان أبطالها مئات من التلميذات. ولم يجد الأطباء سببأ طبي للظاهرة وخلصوا إلى أنها ناتجة على الأرجح عن القلق (16) . وبالاعتماد على تقارير الصحف وبعض الدراسات المتفرقة فقد وجد العنف والجريمة -أيضا- طريقهما إلى المدارس بمعدلات متزايدة في التسعينات في المدارس الحضرية الفقيرة المكتظة بالطلاب (17) . صحيح أن معدلات الجريمة في الأحياء الحضرية الفقيرة في مصر تظل في مستويات لا تحلم بها أمريكا، إلا أن عقد التسعينات قد شهد تزايدا في أحداث العنف الطلابي وتجارة المخدرات، التي كانت مصر تبدو لزمن وكأنها محصنة إزاءها. ولم تقتصر علامات الأزمة الاجتماعية تلك على الفقراء، فقد تواترت التقارير عن انتشار المخدرات بين طلاب المدارس والجامعات من الطبقة الوسطى والعليا، وتم الكشف عن عدد من الطوائف والجماعات المنحرفة (18)
وقد أوردت تقارير الصحف - أيضا - ازديادة في السلوكيات الاجتماعية البغيضة
الأبناء الميسورين والتي ازدادت خطورتها وانحرافها. بل تبين من التقارير المنشورة حول المدارس الخاصة التي تجتذب الأثرياء أن مثل تلك السلوكيات قد وجدت طريقها
حتى إلى قاعات الدرس. وقد فتحت الصعوبات الواضحة في مجال التعليم الباب أمام التدخل الأكثر هيكلية من جانب قوى اجتماعية وجماعات منظمة؛ فقد أشار فهمي هويدي - بناء على تقارير الصحف - إلى أن وحدة من خبراء التعليم الأمريكيين قد تم إدماجها مباشرة في وزارة التعليم وبدت مؤثرة في تحديد مضمون المناهج الدراسية في المدارس العامة (19) . وقد شكا فهمي هويدي من أن الإصلاح المقترح في مناهج التعليم من شأنه أن يقلص الاهتمام بالتاريخ العربي الإسلامي، بينما يزيد التركيز على الحقبة الفرعونية من تاريخ مصر. وعلى وجه أخص، كانت التغييرات المقترحة تهدف إلى حذف كل الإشارات إلى الصراع مع القبائل اليهودية في عصر النبوة. ورأي هويدي أن معاهدة السلام المصرية مع إسرائيل كانت وراء تلك المراجعة للمناهج، وتساءل عما إذا كان توثيق العلاقات مع البريطانيين والفرنسيين يعني بالضرورة حذف ما يشير إلى الاستعمار الأوربي أيضا. إلا أن الفكرة المحورية التي كان يقدمها هويدي كانت تتلخص في أن الثقافة الإسلامية هي إحدى