حباته (15) . وقد جفت مصادر الدخل الخارجي، ووجد شباب مصر أنفسهم وقد ألقي بهم في جامعات محدودة الموارد، ذات معامل سيئة التجهيز، وقاعات محاضرات تضم أعداد أكبر من طاقاتها، فحصلت الأغلبية العظمى من الطلاب على شهادات محدودة القيمة، وتبخر تفاؤلهم حين بات واضحة أنه لا توجد فرص عمل حقيقية تنتظرهم خارج أسوار الجامعة. وقد شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين ظهور جيش من «البروليتاريا المتعلمة» ؛ فهم الذين قادوا عربات الأجرة وخدموا في المطاعم، في الوقت الذي ينتظرون فيه لسنوات عشر أو أكثر توزيع القوى العاملة لهم حتى يحصلوا على وظيفة بمرتب ضئيل في القطاع العام. وقد تحدثت الحكومة بشكل غامض عن فرص القطاع الخاص، وهي التي لم تكن مفتوحة في الواقع إلا للذين يجيدون اللغات الأجنبية ولديهم مهارات اجتماعية لا يملكها سوي أبناء المحظوظين وذوي النفوذ والعلاقات. فكان حلم أغلبية الخريجين هو الهروب عبر الهجرة إلى الغرب، بينما اتجه تفكير البعض منهم للانتقام من مجتمع خدعهم وهدم أحلامهم. وقد وجد الكثيرون في الصحوة الإسلامية التي نمت بقوة في كل الجامعات في تلك الفترة الأمل الوحيد وسط عالم من الآمال المهدرة. وعلى هامش الصحوة الإسلامية، كان المتطرفون ينشطون في تجنيد المتعلمين العاطلين عن العمل والذين خابت آمالهم.
وتنعكس فوضى التعليم في التغييرات الوزارية اللانهائية طوال التسعينات. وقد زادت شخصية السياسة - والتي هي العادة في النظام المصري - من تعقيد الأمور؛ فكل وزير تعليم جديد ما إن يتسلم مهام منصبه حني يعلن على الملأ عن سياسة جديدة يشرع فورا في تنفيذها متجاهلا ما قام به سلفه، وحين ينتهي عهده - عادة بشكل مفاجئ - يأتي من يخلفه ليبدأ من الصفر بأجندة جديدة تماما مثلما فعل من سبقه. وبين الحين والآخر كانت تبرز بعض نقاط الضوء سواء في ضخ مزيد من الأموال أو الحديث عن الأمل في أن يحل الحاسب الآلي المشكلات. ولكن بشكل عام ظل التعليم في تدهور مستمر.
وقد خلق ضعف النظام التعليمي وإهماله فراغا ملاته عناصر ومتغيرات متباينة: ضغوط اجتماعية، فوضوية وعشوائية، وتوجهات ستعارضة، وجماعات وقوي متعددة ذات أصوات سياسية متنافسة. وقد تعدد أولئك الدخلاء بين خبراء أمريكيين في التعليم تم الاستعانة بهم في المستويات العليا، وإسلاميين متطرفين انخرطوا في