ولكن توجد معايير قرآنية لابد لأية نظرية - بغض النظر عن خصائصها- أن تتبناها؛ فأية نظرية حتى تعتبر إسلامية، عليها أن تتبنى مفهوم الحقوق والمسؤوليات الأساسية للبشر على اختلافهم.
وينطبق رفض الإسلاميين الجدد لكل الرؤى الشمولية للظرف الإنساني بقوة
على تلك الرؤى التي يروج لها الإسلام السياسي؛ فهم على وعي كامل بأن المعاني التي يؤكدون عليها للمبادئ الإسلامية محل جدال في العالم الإسلامي، ومن ثم يدركون أن الإصرار على القيمة الإيجابية لتعدد البشر واختلافهم تمثل نوعا من النقد الذاتي الذي يولونه اهتماما كبيرا خاصة بالنظر إلى الممارسات الفعلية للمسلمين إزاء اختلاف الدين والعرق والنوع في داخل المجتمعات الإسلامية حول العالم (47) . وهم يعترفون صراحة بأن المسلمين كثيرا ما عجزوا عن تنفيذ ما يأمرهم به الإسلام لا فقط في مجال التسامح وإنما - أيضا في الاحتفاء بالاختلاف. وفي الوقت ذاته يدرك الإسلاميون الجدد أن الكثيرين من غير المسلمين قد توصلوا إلى نفس ذلك الفهم الأخلاقي والفكري للتعددية وقيمة البشر، وإن بدأوا من أصول وروافد ثقافية مختلفة؛ فتلك الأفكار لا تخص المسلمين وحدهم. ولهذا السبب يؤمن الإسلاميون الجدد أن عصرنا هو عصر برزت فيه تلك الأفكار من روافد وتقاليد ثقافية عدة بعد أن تم انتهاك حقوق البشر وتجاهلها لعصور طويلة. وهم يفندون دعاوى البعض في العالم الإسلامي الذين يشككون في قيمة التعددية، ويسعون إلى قمع الاختلاف. وهم في ذلك يقدمون أنفسهم کشرکاء لأولئك الذين ينتمون إلى عوالم ثقافية أخرى، بما في ذلك أقليات مهمة في الغرب تحتفي بالاختلاف وتكافح من أجل العدل لكل البشرية.
ولأنهم مسلحون بتلك الروح، فإن الإسلاميين الجدد ينحركون بسهولة لافتة للانتباه في ساحة عالمية مثبطة للهمم؛ فهم يفترضون أنه من الممكن اكتشاف نقاط تلاق تجتمع عليها البشرية، معتبرين أن تلك هي مهمة المستقبل. وفي تلك المهمة البناء مجتمع عالمي جديد يعتبرون أن هناك أهمية للتراث الإسلامي؛ فهم لا يطمحون في أن يجدوا الخصائص التي تميز حضارتهم منعكسة على وجوه الآخرين، بل على العكس يسعون إلى اكتشاف الاختلاف البشري. ولا هم يحملون معهم وثيقة إسلامية المستقبل البشرية كلها؛ فهم يدركون أنه لا يجوز لأمة واحدة أو ثقافة واحدة أن تكتب مستقبل البشرية ككل، وإنما تأتي ثقتهم من ترحيبهم بالاختلاف