منظمة التحرير الفلسطينية قد سعت وهي تعمل من الخارج إلى أن تحل بهياكلها محل الأمة، ولكن فجأة اندلعت الثورة في 1987 داخل فلسطين التاريخية نفسها وأبرزت الانتفاضة كوادر قياداتها الجديدة التي أفرزتها من داخل رحم الأمة. ومن ثم لم يكن مستغربة أن يعكس أولئك الفاعلون الجدد بشكل أكثر دقة السمات الحضارية للشعب الفلسطيني مقارنة بقيادات منظمة التحرير التي تعيش في المنفى. ومن أهم تلك السمات الانتماء الديني القوي للمسيحيين والمسلمين الفلسطينيين على السواء. ويشير البشري إلى أن التحرك نحو إثبات الذات على الأرض الفلسطينية ذاتها قد کشف ضعف منظمة التحرير التي تعمل من الخارج. وفجأة واجهت المنظمة حركة تحرير بديلة ذات لون إسلامي قوي.
وقد حملت الانتفاضة الأولى في أوجها عام 1988 بوادر أمل كبير. ويشير تقويم البشري لها إلى أشكال جديدة من الكفاح برزت في تلك المعارك؛ فالأطفال والصبية كانوا في المقدمة. وفي البداية، كانت أجاد الشباب الفلسطيني وحجارة الأرض هي وحدها الأسلحة الحقيقية لما صار يعرف باسم «انتفاضة الحجارة» . وقد لفت الإسلاميون الجدد عموما الانتباه إلى حقيقة أن الشباب بدوا وكأنهم يتحركون بدافع ديني لا إلهام علماني. وأشار البشري إلى أن الأغلبية المسلمة في الأرض المحتلة تبنت مفهوم الجهاد الذي يدعو للمقاومة. وقد استلهم المسيحيون -أيضا- من عقيدتهم ما يرشدهم في كفاحهم ضد الاحتلال. ودعمت الكنائس والمساجد مشاعر المقاومة في جيل لم يعرف شيئا سوى الإذلال على يد قوة احتلال أجنبين
وقد لفت الإسلاميون الجدد الانتباه إلى أشكال المقاومة التي كانت تتولد تلقائيا وتتزايد مع استمرار الكفاح؛ ففي تقرير أولي مفصل بني على مصادر إسرائيلية، رسم هويدي صورة للأساليب الحلاقة التي استخدمها الفلسطينيون لجعل الكفاح جزءا لا يتجزأ من حياتهم اليومية، الأمر الذي يحافظ على ديمومته رغم الصعوبات (26) . ورغم اعتراف الإسلاميين الجدد بالدعم الذي حصلت عليه الانتفاضة من كل عناصر المجتمع الفلسطيني إلا أن رؤيتهم لها ركزت على عودة الطابع الإسلامي لمقاومة الاحتلال. ولكنهم مع ذلك، وضعوا اهتمامهم الخاص بهذا الجانب المقاومة الاحتلال ضمن تقويمهم الاستراتيجي الأعم للوضع؛ فقد أكد البشري على أن الانتفاضة قد حولت الصراع إلى مواجهة مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين دون وساطة الأنظمة العربية. وفي ذلك السياق صارت للوحدة الفلسطينية أهمية قصوى.