يحكيها لتبرير الاستراتيجية القمعية «لتجفيف الينابيع» التي تستهدف لا فقط الراديكاليين وإنما التيار الإسلامي ككل. وعبر اعتبار أن الراديكاليين الذين ينتهجون العنف هم نهاية المطاف الذي يتجه نحوه بانتظام التيار الإسلامي، فإنه من الممكن وضع الجميع في سلة واحدة وتشويه صورتهم؛ إذ ينظر في ذلك السياق للمعتدلين باعتبارهم يختلفون عن الراديكاليين فقط في القضايا التكتيكية المتعلقة بالوسائل والتوقيت، بينما النظام الإسلامي الذي يرتؤونه هو في النهاية واحد.
وفي المداخلة التي قدمها سليم العوا في جامعة القاهرة، أكد على حق الوسطية الإسلامية في إعادة تعريف الفكر السياسي الإسلامي، وصياغة تفسيراته المتميزة. وفي جولة بارعة أعاد إلى الخريطة ثراء التراث الإسلامي الذي يتم التغاضي عنه عبر التبسيط المخل من جانب معلقين كثيرين يعادون التيار الإسلامي. فقد أوضح العوا كيف تعاملت الوسطية بشكل انتقائي مع التراث، بتباراته المعتدلة والراديكالية،
الخلق وسط إسلامي يحمل رؤية إسلامية متميزة للإصلاح ترفض العنف صراحة. ولم يكن هناك على سبيل المثال نبرة اعتذارية في اعترافه بثورية الأفغاني باعتباره مصدرا مهما للفكر السياسي الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر. ومن الأفغاني جاءت أهداف کبري تعلقت بالإصلاح والاستقلال. وبالنسبة للوسطية تمثلت أهم إسهامات الأفغاني لا في دروس بعينها بشأن كيفية تعريف تلك الأهداف الوطنية أو تحقيقها، وإنما في تبنيه لمبدأ الحق المطلق لكل جيل من الأجيال في الاجتهاد؛ فقد تبني الأفغاني منهجا يمكن استخدامه معه هو نفسه. وفي القضايا المحورية فإن اجتهاد الوسط المعتدل والواثق من نفسه قد اختلف بالفعل عن اجتهاد المؤسس؛ فقد أشار العوا إلى أن محمد عبده الإصلاحي وأهم تلاميذ الأفغاني قد مثل في الواقع الجوهر الموضوعي لأهداف وسطية مغايرة عبر دعوته لبناء رأي عام يهدف إلى كفاح سياسي نيابي ودستوري لا ثوري. ومن عبده، أخذت الوسطية - أيضأ - المبادئ المهمة المتعلقة بالطبيعة المدنية لا الدينية للحكم، وتقديم التعليم والعمل الفكري على السياسة في الأولويات.
غير أن الإسلاميين الجدد أوضحوا أن عبده لم تكن له الكلمة الأخيرة في تلك القضايا؛ فالناشط الثوري حسن البنا مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين في أواخر العشرينات مثل اللحظة الفاصلة في تاريخ النظرية السياسية الإسلامية في منتصف القرن، والتي استلهم منها الإسلاميون الجدد أمور مهمة. فمن منظور الوسطية من