الصفحة 242 من 344

الممكن أن تؤمن بمحورية الدور الذي لعبه البنا، ولكنك في الوقت ذاته تتعامل مع ميراثه على نحو انتقائي. وقد قدم الوسطيون- بما في ذلك الإسلاميون الجدد- نقد واضحا للبنا ركز على جهوده التنظيمي والأيديولوجي، وتجاهله عموما للجهد النظري، فضلا عن التركيز المبالغ فيه على المجال السياسي. وقد رفضوا صراحة الأنشطة السرية وانتهاج العنف من جانب بعض العناصر المنتمية للإخوان. وقد أضاف الإسلاميون الجدد إلى ذلك رفضهم لوجهة نظر البنا السلبية بشأن التعددية، ورفضوا القبول بالحكم الضمني المتمثل في أن النظام السياسي قد تخلى عن مسؤولياته الإسلامية، وقدموا رؤية أكثر تفصيلا بشأن قبول دور المرأة والأقليات في المجتمع الإسلامي

غير أن توصيف العواللبنا في جامعة القاهرة قد مثل -أيضا- إشارة إلى أنهم يتمسكون بالجوانب الإيجابية والخلاقة في فكر البنا ومارسته؛ ففي القلب من مشروع البنا- كما قال العوا- كان إعادة التأكيد على شمولية الإسلام. وكان اتساع ارتباطاته يفتح الباب أمام مجال واسع للعمل الاجتماعي من التعليم للاقتصاد يمكن للتنظيم الذي أنشأه أن يتحرك فيها. وقد أثبت البنا كيف يمكن للتيار الإسلامي أن يخرج من الحيز الضيق للنخبة ويتحول إلى حركة مشاركة جماهيرية. وعلى هذا الأساس بنى الإخوان المسلمون ارتباطات شعبية غير مسبوقة أوضحت كيف يمكن تحويل الصحوة الفكرية إلى حركة تحول اجتماعي عريض.

ولم يخجل العوا من التعامل مع شخصيات مثيرة مثل سيد قطب الذي دفع بأفكار البنا السياسية تلك إلى نهايات متطرفة في الخمسينات والستينات؛ فأعمال قطب المتأخرة مثلت الإطار النظري للإسلام السياسي في أكثر أشكاله راديکالية. واعترف العوا بأن قطب اعتبر النظام في مصر غير إسلامي، وقدم المبرر النظري لذي يمكن على أساسه الأقلية طليعية أن تطيح به بالقوة إذا لزم الأمر عبر صبغة متطرفة المعنى الحاكمية وهو ما رفضه بقوة الإسلاميون الجدد.

وفي تلك النقطة من مداخلة العوا أحدث نقلة غير متوقعة؛ فقد استخدم الاعتراف بأن قطب قد حول تراث البنا نحو وجهة راديکالية ليصر - دون التخندق في موقف دفاعي - على أن توجه قطب المتطرف لا يهيمن على تراث البنا. وعلى عكس الرؤية التقليدية لقصة البنا، أكد العوا على أنه كان هناك مفكرون وسطيون داخل الإخوان قدموا إسهامات مهمة نحو تفسير متوازن لموقع البنا في إطار الفكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت